فتى من قريش (قصة إسلامية للأطفال) - منتدى الأنساب
  التسجيل   التعليمات   قائمة الأعضاء   التقويم   البحث   مشاركات اليوم   اجعل كافة الأقسام مقروءة
أدعية
 
التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
شهاب الدين النويري صاحب موسوعة نهاية الأرب في فنون الأدب
بقلم : د.حازم زكي البكري الصديقي
قريبا


العودة   منتدى الأنساب > مجلس الأنساب العام > مجلس القبائل القرشية

بحث جوجل

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
عضو ماسي
صلاح الدين القدس الشريف غير متواجد حالياً
 
رقم العضوية : 139
تاريخ التسجيل : Jan 2015
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 299
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
افتراضي فتى من قريش (قصة إسلامية للأطفال)

كُتب : [ 06-02-2018 - 07:25 PM ]


إعلانات جوجل أدسنس
فتى من قريش
(قصة إسلامية للأطفال)



جلس "قيس بن رباح" على ركبتيه في خشوع يتضرع لأصنام صنعها بيديه من الطين، وجعلها في جوف بيته في مكان خاص يليق بمقامها.



وكيف لا يفعل وهؤلاء الآلهة لهم الفضل عليه وعلى مهارته في صناعة السيوف؟ حتى اشتهر بين قبائل العرب بصناعته تلك، ويتفاخر الجميع فيما بينهم بسيوفهم وقوتها وصلابتها، ومن كان سيفه من صنع "قيس بن رباح" وعليه ختمه الخاص به كان له الفخر والثناء كله.



والحق لقد كانت تجارته من صناعة السيوف رابحة ورائجة، يصنعها في مكان بناه بجوار بيته.



كان يجلس بخشوع أمام أحد هذه الأصنام، ويدعوه بصوت هامس خاشع: أيها الإله العظيم، شكرًا لك على نعمتك وكرمك؛ فقد صار "قيس بن رباح" بفضلك ملء السمع والبصر، والكل يهفو إلى شراء إنتاجه من السيوف.



أيها الإله، زوجتي "أسماء بنت صخر" حامل في شهرها الأخير و...



سكت برهة عندما تذكر زوجته وحملها، وخشي أن يكون طفله القادم بنتًا تجلب له العار والفضيحة، يسود لها وجهه، ويتجنب قومه، فتبور بضاعته، ويخسر نفسه وعمله، وقد يضطر لتجنب هذا العار إلى أن يدفنها حية، كما يفعل الكثير من قومه!



وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم هذا الفعل الشنيع فقال: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ [النحل: 58، 59].



ثم استطرد وهو يكاد يبكي قائلًا: أيها الإله، استجب لي وارزقني ولدًا أفخر به بين قومي، ويكون سندًا لي في عملي، ولا تُشمِت بي بين قومي وترزقني بنتًا يسود لها وجهي، وتجلب لي الفضيحة والعار بين قومي.



ثم تمهل وبلع ريقه، ثم عاد إلى تضرعه ودعائه، ثم سمع صرخة زوجته تتعالى في أرجاء المنزل، فهُرع من فوره إلى حجرتها؛ ليعرف السبب في صياحها، فإذا بها قد جاءها المخاض وسقطت على الأرض من شدة آلام الطلق.



قال "قيس": يا رحمة الإله! وخرج من بيته ينادي على قومه وجيرانه.



يا بني عبدمناف، أدركوا امرأتي، وليدعُ أحدكم زوجته تساعد زوجتي؛ فقد جاءها المخاض، أسرعوا بالله عليكم.



كان العرب من كل القبائل يملكون النخوة والشجاعة، وكانوا أهل فضل وكرم، لا يتخلون عن مساعدة السائلين من الغرباء عنهم، وتقديم واجب الضيافة؛ فهم أهل كرم مع غيرهم، أما فيما بينهم فكان الأمر غريزة طبعوا عليها، وواجبًا لا يتأخرون عنه أبدًا رغم شركهم وعبادتهم لغير الله تعالى بسبب عادات وتقاليد لا ترحم.



وما أن سمعوا مقالة "قيس" حتى خرجت الكثيرات من نساء جيرانه إلى بيته من غير تردد.



ظل "قيس بن رباح" خارج بيته، يطيب خاطرَه رجالٌ من جيرانه، ينصحونه بعدم القلق.



وقال أحدهم: يا قيس، بحق الإله "هبل" لا تخف، وسيكون الأمر على ما يرام.



نظر له قيس ونفسه تحدثه بالسوء مما ينتظره، وعينه على باب بيته لا يدري هل يسمع البشرى بالولد أم بالبنت، وبينما هو كذلك خرجت امرأة عجوز من جيرانه قائلة: أبشر "يا قيس"، إنه ولد، اشكر الآلهة واحمدها يا ولدي.



تدافع جيرانه لتهنئته، وما انتهى حتى أسرع إلى الكعبة وسجد للآلهة، شاكرًا لها على نعمة الولد، وأخذته نوبة من البكاء بعد أن كاد أن تنهار نفسيته لحظة الولادة، ثم رفع رأسه وقال رافعًا يديه متضرعًا: أيها الآلهة العظام، أقسم أن أجعل ابني هذا أعظم رجال قريش، يضحي بحياته من أجلكم، ومن أجل دينه، سوف أزرع في قلبه محبتكم أكثر من حبه لي أو حبي له، ومرضاتكم على مرضاتي، سأجعله نعم العبد لكم.



خالد بن قيس يرى الرسول صلى الله عليه وسلم:

شب بطلنا "خالد بن قيس" في بيت أبيه حتى صار له من العمر عشر سنوات، وكان في أحيان يساعده في صنعته على قدر طاقته، وفي أحيان أخرى يلعب مع فتيان القبيلة من جيرانه وأصدقائه، من هم في مثل عمره.



كان "خالد" شجاعًا مقدامًا، وبرع في مصارعة الفتيان؛ لِما يملك من بنيان قوي وذكاء يفوق سنه، وسرعة بديهة جعلته يتولى زعامة فتيان القبيلة.



ورغم كل هذه الصفات كان يشعر في قرارة نفسه بضيق، وأن حياته تمر على غير هدى ولا غاية، حياة لا طعم لها، ولا هدف منها.



روتين سقيم، وحياة رتيبة، وكان يحس في قرارة نفسه أنه خُلق لأمر عظيم، وكان هذا يحيره بشدة.



وبينما هو غارق في تفكيره هذا، حدث أمر لم يكن في الحسبان، وأفاق على هرولة الرجال والنساء وفتيان القبيلة، التي أخذت تعدو أمامه وكأنما تفر من وحش كاسر يريد الفتك بها، وكاد أن يقع على الأرض من قوة اندفاعهم، فأفاق وقد علاه الدهشة يسأل: ما الخبر؟



كان الكل يجري، ثم أدرك السبب، إنه صوت ينادي من قريب على جبل الصفا، ولكنه الآن واضح وقوي: (يا بني فِهر، يا بني عَدي، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبدمناف، يا بني عبدالمطلب).



قال خالد لنفسه: من هذا الذي ينادي على قبيلته؟ ولم تظل حيرته طويلاً؛ فقد صاح رجل من قبيلته وهو يعدو: أسرعوا؛ فإن "محمدًا" هذا الساحر الذي جاء لنا بدِين جديد ينادينا، يريد أن يلقي علينا بعضًا مما أصابه، هيا لنضحك ولا يفوتنا شيء.



لقد سمع خالد شيئًا عن محمد صلى الله عليه وسلم من أبيه، وقد وصفه بأنه شاعر يأتي بكلام عجيب، يضحك به على رجال ونساء وفتيان قريش..



ويدعوهم سرًّا هو وأتباعه الذين آمنوا بدعوته، وذكر أبوه أن "محمدًا" صلى الله عليه وسلم يدَّعي أنه رسول من عند ربه، وهو إله واحد لا شريك له، ثم يشير أبوه إلى الأصنام في جوف البيت ويقول ساخرًا: وماذا عن هؤلاء؟



ثم يحذرنا من كلامه أو سماع شيء مما يتناقله الناس، حتى لا يسحرنا بكلامه ونكفر بالآلهة، ويضحك فنضحك معه أنا وأمي.



ثم قال خالد لنفسه: وماذا يمنع أن أسمعه بنفسي اليوم، وأحكم عليه بما يقوله، ولم يكد ينتهي من تفكيره وقراره هذا حتى أخذ يعدو مع فتيان قبيلته ورجالها ونسائها إلى حيث يتجه الجميع.

• • •



كان الحشد كثيرًا، والصوت واضحًا، ولكنه لم يكن يستطيع الرؤية، فكان يندفع بين الحشود ويتقدم للصفوف الأولى ليرى ويسمع جيدًا.



وها هو "محمد" صلى الله عليه وسلم قد صار أمامه مباشرة على جبل الصفا، وسمعه يقول بوضوح وثقة: ((أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي بسَفْح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، أكنتم مُصَدِّقِيَّ؟)).



رفع الجميع أصواتهم وقالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا، ما جربنا عليك إلا صدقًا.



وأرهف خالد سمعه وقد أدرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تصديق قومه وشهادتهم لأمانته وصدقه سيصدمهم بكلامه.



وسمعه يقول لهم صلى الله عليه وسلم:

((إني نذير لكم بين يدي عذابٍ شديد))، وقال كلامًا لم يسمعه من الضجيج وارتفاع الأصوات معترضة ترهيبه لهم بعذاب رب لا يؤمنون بوجوده، ولكنها صمتت؛ فقد كانت "لمحمد" صلى الله عليه وسلم هيبة ووقار.



وعاد الصوت واضحًا قويًّا، واستمعت للرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقول بحسم وثبات عجيبين: ((يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، أنقذوا أنفسكم من النار؛ فإني لا أملِكُ لكم من الله ضرًّا ولا نفعًا، ولا أُغني عنكم من الله شيئًا.



يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار؛ فإني لا أملك لكم ضرًّا ولا نفعًا.

يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار.

يا معشر بني قصي، أنقِذوا أنفسكم من النار؛ فإني لا أملك لكم ضرًّا ولا نفعًا.

يا معشر بني عبدمناف، أنقذوا أنفسكم من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله ضرًّا ولا نفعًا، ولا أغني عنكم من الله شيئًا.

يا بني عبدشمس، أنقذوا أنفسكم من النار.

يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار.

يا معشر بني عبدالمطلب، أنقذوا أنفسكم من النار؛ فإني لا أملك لكم ضرًّا ولا نفعًا، ولا أغني عنكم من الله شيئًا، سلُوني من مالي ما شئتم، لا أملك لكم من الله شيئًا.

يا عباس بن عبدالمطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا.

يا صفيةُ بنتَ عبدالمطلب عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا.



يا فاطمة بنت محمد رسول الله، سليني ما شئت من مالي، أنقذي نفسَك من النار؛ فإني لا أملِكُ لك ضرًّا ولا نفعًا، ولا أغني عنك من الله شيئًا، غيرَ أن لكم رحِمًا سأبُلُّها بِبلالها))؛ أي: أصِلها حسب حقها.



وبعد مقالة النبي صلى الله عليه وسلم وتحذيره الذي شمل كل القبائل، ومنها قبيلته، بدا الناس ينصرفون مختلفين في انطباعاتهم، منهم من يضحك ساخرًا لقوله ولم يهتمَّ، ومنهم من أصابته كلماته بالخوف والشك، ومنهم المصدق بكل ما قاله، وانصرف الناس..



وظل "خالد" ينظر رد الفعل وقد أصابت كلمات الرسول شغاف قلبه، وأيقن في قرارة نفسه بصدقه، كان يطيل النظر إليه ويتأمله وقلبه يخفق بشدة، هناك شيء فيه يجذبه إليه لا يدري كهنه.



نفسه تدفعه ليرفع صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.



سمع رجلاً يقول للنبي: "تبًّا لك سائر اليوم"، ألهذا جمعتنا؟

فإذا به "أبو لهب"، كان رجلًا غليظ القلب، عرف "خالد" من أبيه أنه من زعماء قريش، وعقلها الذي يخطط ويدبر، وتعجب مما قاله أبوه بأنه عم النبي، فكيف يغلظ له القول ويقول له ما قال؟!



ثم سمع "خالد" بعد ذلك من الناس ما نزل على "النبي" من قرآن من ربه، أوحي له، بقوله عن عمه وزوجته التي كانت مثل زوجها في عدواتها له صلى الله عليه وسلم:



﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴾ [المسد: 1 - 5].



انصرف الناس وعاد معهم أدراجه، ولكن طوال الطريق لبيته كانت كلمات النبي صلى الله عليه وسلم تؤثر في وجدانه.



هل هو على حق، وإن كان كذلك، فلماذا لا يصدقونه وقد تحجج بأمانته وصدقه، وشهدوا على ذلك!



وكيف يحذرهم بكل هذا القوة واليقين حتى أهله وابنته لم يستثنِهم من التحذير والترهيب؟!



إنه صادق ورب الكعبة، قالها خالد في نفسه ولم يبدها، خشية أن يسمعه أحد ويخبر أباه، وهو لا يريد المتاعب له، ولا لأهله، ولكن الشك أخذ بتلابيب قلبه، وبدأ يفكر ويهمس محدثًا نفسه وأطلق لها العنان:

هؤلاء الرجال الذين اتبعوه مثل أبي بكر وعثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف والزبير بن العوام وغيرهم من رجال قريش الأغنياء والأقوياء والضعفاء، كيف خدعهم؟



ثم قال يحدث نفسه في ثقة: لا أظن في الأمر خدعة، بل الرجل صادق، ودليل ذلك هذا القرآن الذي يتداول الناس من قومه كلمات يقول: هي من عند ربه، وقد سمع بعضها، إنها كلمات لم يسمع مثلها من قبل، ثم أخذ يقرأ سورة مما سمع من الناس وحفظها بسهولة، يسمع بذلك نفسه، ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 1 - 7].



كلمات استشعر حلاوتها وجمالها، وبدأ شعاع من الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم يضيء في قلب خالد، ويزيده يقينًا، ويزيح الشك جانبًا.



وكانت هذه هي بداية حياة جديد.

حياة كان يبحث عنها ويجد فيها نفسه.



خالد يكتم إيمانه:

مر على هذا الموقف وقت طويل، وظل "خالد" خلالها يكتم إيمانه؛ فقد كان يرى الكثير من المسلمين يعذبون من المشركين، بسبب إيمانهم بالله، وكفرهم بالأصنام، فخاف على أبيه وأمه أن يظهر عليه شيء فيؤذيهما بسببه.



وكان يتابع أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، وكلما سمع من الناس بوجوده في مكان يسرع ليراه ويسمعه، ولم يشك فيه أحد لصغر سنه، وفي مرة من المرات التي كان يسمع فيها النبي صلى الله عليه وسلم وينظر إليه ويملي عينه منه حبًّا وإجلالًا له، حدث ما لم يكن في الحسبان.



دس رجلٌ بجواره رقعة من الجلد في يده، فنظر إليه، فإذا به يبتسم له ويقول: وضعت في يديك رقعة فيها كلامٌ لا تقرأه إلا في مكان لا يراك فيه أحد.



قال خالد متعجبًا: ولماذا أنا؟

ابتسم الرجل وهمس في أذنيه وقال: انظر في عيون الناس تدرك السر.



نظر خالد في وجوه الناس يتأمل عيونهم ثم قال للرجل: لا أفهم ماذا تعني! وما علاقة الرقعة بما في عيون الناس؟ وماذا كتبت فيها؟



ابتسم الرجل وقال: رويدك يا فتى، هل تخبرني باسمك؟!



قال خالد: اسمي خالد بن قيس.



ابتسم مشجعًا وقال: شرفني التعرف بك يا خالد، ثم همس في أذنيه مرة ثانية حتى لا يسمعه أحد وقال:

أترى كيف ينظرون لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو يخبرهم بأمر ربه نظرات مختلفة ما بين التهكم والسخرية والشك والريبة مما يقول؟



أومأ خالد برأسه موافقًا على كلام الرجل الذي أردف وقال له هامسًا:

أما أنت فقد رأيت في عينيك نظرة مختلفة، لا يعرفها إلا من جربها وأدرك مغزاها ومعناها!



قال خالد مستغربًا في حدة: أي نظرة رأيتها في عيني؟

قال الرجل وهو يلتفت خشية أن يكون هناك من يتابع حديثهما، ثم قال: إنها نظرة محب، إنك تنظر لمحمد بحب، وهذا لا يكون إلا من قلب صادق يبحث عن الحق واليقين.



هذا ما يميزك عن الناس، وبالمناسبة أسمى "وليد"، ومن أتباع هذا النبي صلى الله عليه وسلم، تذكرني، ومن يدري لعلنا نلتقي مرة ثانية في ظروف أفضل إن شاء الله تعالى.



ثم ضغط على يديه وفيها الرقعة وقال له: ضعها في جيب قميصك، واحرص عليها بحياتك، وانصرف وسط الحشود العائدة حتى غاب عن بصره، ودس "خالد" الرقعة في جيب قميصه، وأسرع إلى البيت وكله شوق لمعرفة ما فيها.



خالد والإله المزعوم:

دخل "خالد "منزله فوجد أباه يركع على ركبته يبتهل ويتضرع لربه، ولما شعر بوجوده دعاه.



تعال يا خالد، اجلس هنا بجواري، واركع على ركبتيك، فلما فعل ذلك وضع يديه على كتفه في حنان أبوي وقال:

اسمع يا بني، عندما ولدتك أمك أقسمت للآلهة أن تكون مميزًا، وأعظم رجال قريش، ومن يدافع عنها ويكرمها، وأنت أهل لذلك، فلا تخيِّب أملي يا خالد!



ثم نظر لصنمه وقال: انظر يا بني لهذا الإله الذي صنعته لك ولولدتك كي نعبده؛ فهو ولي نعمتنا، وله علينا السمع والطاعة، هل تفهم ما أقوله؟!



قال خالد في شك: نعم أفهم.

قال أبوه: أحسنت يا بني، وأراد أبوه أن يقول شيئًا لولا أن صوتًا خارج البيت ينادي عليه: هل من أحد في المنزل؟ يا "قيس بن رباح" هل تخرج على الفور بالله عليك؟



قال قيس لابنه خالد: نكمل حديثنا فيما بعد، يبدو أن هناك من يريدنا، لعله يريد شراء سيف، ثم ابتسم لخالد مشجعًا وقال:



والآن أتركك في خلوتك مع إلهك، فهناك عمل أريد أن أنتهي منه، وحاول أن تتضرع إليه يا ولدي؛ فهو يستجيب ويعرف ما تقول، وهو قادر على كل شيء!



أومأ خالد برأسه، فانصرف أبوه راضيًا، وجلس خالد يتأمل الصنم، وتحسسه ثم قال:

إلهي، أنا عبدك الضعيف خالد، أتسمعني؟!



إلهي، أنا أشجع فتيان قبيلتي وأتفاخر بذلك، ولكن قلبي حزين، أتعلم ما في قلبي؟ وهل ترى كم أنا حزين؟!



إلهي أنا أكلمك، وأحتاج كلمة حكمتك، فهل تخبرني ما يجب أن أفعله، فلست راضيًا عن حياتي في اللعب واللهو؟!



توقف خالد عن مناجاة الصنم، وأخذ ينظر إليه، فإذا به صامت، فقال: عجبًا! كيف نعبد إلهًا من الحجَر لا يسمع ولا يتكلم ولا يرى، متى ينفعني وكيف يضرني؟!

إنه الآن يدرك أن محمدًا صلى الله عليه وسلم على حق، وأنه نبي من عند الله تعالى، الذي يحذرنا عذابه وقوته، وأدرك بذكائه وسلامة فطرته أن هذه الآلهة المزعومة التي يصنعها الرجال بأيديهم ليست سوى حجارة، فكيف يعبدها من يصنعها ويكسرها ويعيد تركيبها في أشكال مختلفة كما يحلو له ثم يعبدها لقوتها؟ فقال متعجبًا: أي قوة تملكها هذه الحجارة الصماء؟!



ثم تذكر الرقعة التي أعطاها إياه الرجل، وتذكر نصيحته، لا تجعل أحدًا يراك وأنت تقرؤها.



فنظر عن يمينه وشماله، فلما أحس أنه في خلوة أخرج الرقعة بيد مرتعشة ونظر فيها وقرأ..

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ [الكافرون: 1 - 6].



ثم نظر "خالد" للصنم وقال في تهكُّم:

أيها الإله، هذا رب محمد يدعوني لعبادته وحده، وأرى كلامه، وأرسل لي رسوله؛ ليحذرنا من عبادة غيره، فماذا عنك؟

أين كلامك خلال هذه السنين؟ وماذا تطلب مني؟ ولماذا نعبدك ونعبد غيرك من الآلهة؟ لماذا لا تغضب؟ ومن الذي خلقني، أنت أم هم؟!



وأين رسولك؟ لا عجب أنك حجر أصم، لا تسمع ولا تنفع.

ثم خطرت على باله فكرة خطيرة، قد تكون سببًا في إثارة غضب أبيه وعقابه الشديد له، ولكنه بعد التفكير لم يبالِ؛ لأنه يريد أن يبين لأبيه وأمه حقيقة هذه الآلهة المزعومة، فماذا فعل؟

• • •

تحطيم الصنم:

عندما خرج "قيس بن رباح " ينظر من ينادي عليه، رأى رجلاً من قبيلته غاضبًا وهو يقول:

يا قيس بن رباح، يا ملك صناعة السيوف، أريد أن أبتاع منك سيفًا حاميًا يقطع الرقاب بضربة واحدة، ولك ما شئت من مال.



قال قيس للرجل: رويدك يا أخي! فإنك غاضب، والغضب لا يؤدي إلى خير، وأخبرني ما الأمر؟ ولماذا تحتاج لمثل هذا السيف؟



قال الرجل: ويحك يا قيس! هذا عيبك، تنشغل دائمًا عما يحيط بك، ألم تسمع ما حدث وقريش كلها قد انقلبت على رأس أبيها؟



قال "قيس" جزعًا: بحق الإله "هبل"، ما الخبر يا رجل؟

قال الرجل: ألم تسمع أن محمد بن عبدالمطلب قد سب آلهتنا، ويدعي أنه مبعوث من إله واحد، وقد وقف على جبل الصفا يهدد ويتوعد القبائل بعذاب أليم.



قال "قيس": بل سمعت وأخبرني الناس، ولم أحضر لانشغالي في عملي و...

قاطعه الرجل قائلًا: والله، إن زوجتي وابني يسألونني عن آلهتنا في شك وريب، وكدت أن أقتلهما، ثم استطرد:

والله يا قيس، من الخطأ أن نترك هذا الرجل يفسد علينا رجالنا وأبناءنا ونساءنا، أعطني سيفًا؛ فقد طفح الكيل.



قال له قيس: خذ ما شئت، ولكن لا تفعل شيئًا تندم عليه، وكن عاقلاً، ولا تظن أن علية القوم من قريش سيتركونه حرًّا طليقًا يقول ما شاء، فانتظر ولا تتعجل، ودَعْ أمره لغيرك؛ فالحكمة مطلوبة، ومعالجة هذه المسألة لا تكون بالغضب والحمية، بل بالصبر والحكمة، حتى لا تكبر وتصير طامة كبرى لا قبل لنا بها، اقتنع الرجل وسكن غضبه لكلمات قيس، وانصرف لا يلوي عن شيء.

• • •



عاد قيس إلى داخل الدار حيث ترك خالدًا وهو يضرب كفًّا بكف، والله إن محمدًا قد بالغ في الأمر، وجهر بدعوته بعد أن كانت سرًّا يتناقلها الناس وهم يضحكون، والآن فتح على نفسه بابًا لن يغلق، وغضبًا لن يسكن حتى ينتهي أمره وأمر من تبعه.



ثم وقف مصدومًا وكاد قلبه أن يتوقف من هول ما رأى.

الإله الذي صنعه مقطوع الرأس.

مَن الذي فعل ذلك؟ ورب الكعبة لأقتلنه جزاء ما فعل!

ونظر حوله، ويا للكارثة الكبرى، ابنه "خالد" يجلس بجانب البيت وفي يده دليل إدانته: رأس الإله.

قال قيس لابنه خالد: ويحكَ ما صنعت ولماذا؟

تمالك خالد نفسه، وكان يدرك أن أباه حكيم وعاقل، ولكن لا بد من أن يسكن غضبه؛ لأنه يجعل صاحبه بلا عقل، ويتملكه الشيطان، فيفعل ما يمليه عليه من جرم بعد أن يزينه له.



فقال بهدوء ومبتسمًا: رويدك يا أبي، والله إني وجدت الحق، ووجدت نفسي فيما يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله إنه يدعونا لرب حي قيوم قادر لا يستطيع أن يؤذيه أحد.



ثم قال وهو يمسك بيد رأس الصنم الذي قطع رأسه ويشير إليه بيده الأخرى وهو يقول: انظر يا أبي، إنه لا يستطيع أن يحمي نفسه، فكيف يحمينا نحن؟!

إنه صنم من أحجار، لا ينفع ولا يضر، صنعته بيديك، وهو أحق أن يعبدك أنت؛ لأنك أوجدتَه!



قال قيس وقد جن جنونه: ويحك يا فتى! أمسك لسانك، واحذر مما تقول!

تتكلم عن الحق، أي حق وقد خنت حبي لك وثقتي بك، وامتهنت حرمة الإله، وكسرت رأسه، ثم تحدثني عن الحق؟ ألم أحذرك أن تستمع "لمحمد" هذا الساحر الداعي؟ تبًّا لك، أعصيت أمري ولم تبالِ بي وبشرفي وعملي عندما يدرك الناس أنك كفرت بإلهك، أيها الابن العاق الجاحد.



ثم أخذ ينادي على أمه: يا أم خالد، أسرعي قبل أن أقتل ابنك، جاءت الأم مسرعة وقد أصابها الفزع وقالت: ماذا حدث؟ أشار قيس للصنم المقطوع الرأس، ثم أشار إلى خالد وهو يحمل الرأس، فأدركت الأمر برمته وقالت: هلكنا ورب الكعبة، ماذا فعلت يا ولدي؟



قال الأب في غضب عارم:

وأنا الذي أقسمت بأن يكون عبدًا مخلصًا للآلهة، يدافع عنها ويحميها، فإذا به يمتهنها ويحتقرها، والله لأجعلنه يندم على فعلته تلك.



ثم أمسك بابنه في قسوة، وأوثق يديه وقدميه وهو يكاد ينفجر من الغيظ والحنق وقال:

حسنًا، سوف انظر في أمرك، وبحق "هبل" لن ترى مني خيرًا أبدًا، ونظر لزوجته وقال لها بغلظة: إياك أن تأخذك به شفقة حتى أعود، وبحق الإله سوف أذهب لمحمد الذي فرق بيني وبين ابني لأنال منه وأقتله بنفسي؛ فهذا وحده يشفي غليلي، ويرضي إلهي.



وحذرها من فك وثاقه مهما كان حاله؛ فهو لا يستحق عطفنا ورحمتنا بعد اليوم.

أومأت الأم المكلومة بابنها وفعلته الشنعاء برأسها، وقالت بحسرة: سأفعل، ولكن تذكر أنه ابننا الوحيد، ولعله مس أصابه في عقله، ففعل فعلته تلك دون وعي، وسيعود إلى رشده ولو بعد حين، قالتها وقلبها يكاد يتوقف حزنًا وخوفًا عليه من غضب زوجها، فجلست على الأرض وقد خارت قواها.



في رحاب الإيمان:

كان "قيس بن رباح" يعدو في طرقات مكة يسأل من يعرفه ومن لا يعرفه: أين أجد "محمدًا"، هذا الذي أفسد رجالنا ونساءنا وأبناءنا وعيب ديننا وشتم آباءنا وأهان آلهتنا؟ وبينما هو هائم في طرقات مكة يسأل وقد تملكه غضب شديد أطار لبه لما أصاب ولده، تعجَّب من غضبه وهو الحليم الذي ينصح إخوانه من عشيرته بالحكمة وكظم الغيط.



وينصحهم دومًا بإمعان العقل والفكر قبل القوة والقسوة والرعونة التي تزيد الأمور سوءًا، وتعجَّب أكثر عندما سخر من الرجل الغاضب الذي يريد شراء سيف لقتل "محمد"، وأوصاه بالتعقل والصبر، وترك الأمر لمن هو أقوى منه وأدرى في معالجة الأمر، والآن هو مثل هذا الرجل، يا للمفارقة!



ولما أصابه الإرهاق وقد حل ظلام الليل لم يجد غير المكان الوحيد الذي ينبغي أن يلجأ له ليذهب عنه ما يكاد يحنقه ويغيظه، بيت الله الحرام؛ ليعتذر للآلهة عن طيش ولده "خالد"، ويقدم لها القربان الذي يرضيها عنه، وما لبث أن شعر بالسكينة تعود له عندما وصل في تفكيره لهذا الحد، وصار إلى بيت الله تعالى لا يلوي على شيء.



ثم توقف فجأة وهو ينظر إلى السماء ويقول متعجبًا:

ماذا حدث للقمر؟ ماذا حدث للقمر؟

لقد رأى "قيس بن رباح" ما أثار حيرته، وعصف بفؤاده، وألجم لسانه، فتوقف فاغرًا فاه وهو يقول: هذا مستحيل!

هذا شيء خارق، إنها معجزة.

ثم تذكر غضب الآلهة وانتقامها، وربط بينها وبين هذا الذي يراه، فأخذ يعدو تجاه الكعبة؛ ليعتذر لها قبل أن يهلك.

• • •



كان "خالد" مُوثَقًا بالحبال، وغير قادر على الحركة، وأمه أمامه تبكي في لوعة، فنظر إليها وقال: أماه، هل أنت غاضبة مني؟ والله لقد رأيت "محمدًا" على جبل الصفا يحذر الناس بعذاب أليم، ويدعوهم لعبادة ربه، وسمعته وصدقته.



قالت الأم في حسرة: يا بني، لقد جلبت لنا العار والفضيحة، ولو علم الناس بكفرك بالآلهة لهلكت وهلكنا، ألم ترَ كيف يعذب أمية بن خلف عبده "بلالًا"؟ وكيف فعلت قريش بآل ياسر؟



ثم استطردت وهي تنتحب وتبكي: ألم ترَ عمارًا وقد مات أبوه من شدة التعذيب، وقتل "أبو جهل" أمَّه سمية أمام عينيه؟ لماذا يا بني فعلت ذلك وكنت فخرًا لأبيك أمام عشيرته وقومه؟



قال: يا أماه، انظري لهذا الإله المقطوع الرأس الذي تتعبدين له أنت وأبي، هل يسمعك؟ هل نطق مرة وقال لنا شيئًا؟

قالت الأم مشفقة على ابنها: تعلم أنه لا يتكلم ولا يرى ونحن نعبده؛ لأنه يقربنا إلى الله؟



قال خالد: هل أخبرنا هو بذلك، أم هذا ما نظنه نحن وصدقناه بلا عقل أو منطق؟

يا أماه، يقول رب "محمد" صلى الله عليه وسلم له في القرآن الذي جاء به:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾ [الزمر: 1 - 3].



أماه، في قميصي رقعة أخرجيها وانظري ما فيها، لعل الله يشرح صدرك كما حدث لي، إنه كلام رب "محمد"، القرآن الذي جاء به.



قالت الأم: يا للهولَ! رقعة، عن أي رقعة تتكلم يا ولدي؟ ثم دست يديها في جيب قميصه، وأخرجت الرقعة ويداها ترتعشان، ونظرت وقرأت وأعادت قراءتها مرارًا وتكرارًا.



ثم جلست على الأرض يعلوها الانبهار والخوف في آن واحد، وهي تضع يدها على فمها، وهي تهمس مخافة أن يسمعها أحد: والله إنه لكلام لم أسمع مثله من قبل، أهذا ما جاء به محمد، هل هذا هو كلام ربه؟!



نظرت إلى الإله المقطوع الرأس، ونظرت إلى الرقعة، وبدأ بصيص من نور الإيمان يشع في قلبها، وكان هذا كافيًا لترى الحقيقة التي غابت عنها كل هذا الزمن.

حقيقة هذه الآلهة المزعومة.



انشقاق القمر:

اقترب "قيس والد خالد" من بيت الله تعالى وقال:

ها هي الكعبة أمام عينيه ببهائها، ما أجملها وأروعها! لا يستريح القلب إلا بالنظر إليها.

ودخل في خشوع وذهب ليسجد للآلهة، فإذا ببعض الناس تندفع للخارج فقال: ويحكم علامَ تندفعون؟



قالوا: ألا ترى أن القمر قد انشقَّ نصفين؟

قال: نعم، رأيت ذلك وتعجبت منه؛ فهو شيء خارق لا يقدر عليه إلا خالق الكون والناس، ولعل هذا انتقام الآلهة؛ لأنها غاضبة منا.



ثم أردف في غضب:

ويحكم ألا تخافون انتقامها؟ فقد تسقط على رؤوسكم السماء، وبدلاً من التكلم معها ليسكن غضبها تندفعون للخارج، ماذا جرى لعقولكم؟



قالوا: بل ماذا جرى لعقلك أنت؟ ألم تسمع؟

قال "قيس": أسمع ماذا؟



قالوا: إن "محمدًا" أخبر قريشًا أنه سيبين لهم آية تدل على صدق ما جاء به من ربه، وسيجعل القمر ينشق نصفين؟ وقد فعل، وما أظنه إلا سحر أعين الناس..، ثم انصرفوا وتركوه في حيرة يقول لنفسه: محمد من فعل هذا بسحره، مستحيل!



آية كهذه لا يقدر عليها بشر، قالها في نفسه وقد أدرك حقيقة ما يرى: ليس هذا من فعل الآلهة إذًا، إنه رب محمد الذي جاء ليقتله.



تبًّا لك يا قيس، لا يمكن أن يكون هذا سحرًا؛ فالعقل ينفيه، وأنت أعقل وأحكم من تكذيب آية كهذه يراها المرء رؤية عين.



كانت نفسه تأبى الاعتراف والإقرار بهذا "لمحمد"؛ لأن ذلك اعتراف منه بنبوته، وبما جاء به من ربه، وأنه الإله الحق، ولا إله غيره، فكيف يتبرَّأ من هذه الآلهة التي عبدها عمره كله، أبًا عن جدٍّ، ولكنه لا يستطيع أن ينكر أن هذه الآية معجزة، وشيء خارق، لا يقدر عليها إلا خالق السماء والأرض وما فيهما، ثم نظر للآلهة، ونظر للسماء والقمر منشقٌّ نصفينِ.



تم اتجه للكعبة وسجد، لا يدري من يدعو، رب محمد أم الآلهة التي أضاع عمره كله في الدفاع عنها.



هناك شك يدب في قلبه، وعواصف من المشاعر المتناقضة، وأخذ يبكي ويبكي وهو ساجد لا يقول شيئًا، ثم شعر بشعور عجيب بالسكينة في قلبه، فرفع رأسه ونظر إلى السماء وقد أضاء وجهه وأشرق وصفا ذهنه وقد بدا أنه قد عرف طريقه، فرفع يديه وقال بضراعة: لا إله إلا أنت، إن كان ما جاء به محمد هو الحق، فاللهم اجمع شمل أسرتي، وألحقنا بالمؤمنين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله.



ثم قام وأسرع الخطى نحو بيته، كله شوق لرؤية ابنه "خالد"، الذي كان سببًا من حيث لا يدري لهدايته.

ويا للعجب قالها في نفسه، لقد خرج غاضبًا يريد قتل "محمد" وهو أبغض خلق الله لقلبه؛ لِما حدث لابنه، والآن يعود وليس هناك أحب إليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقلبه يشتاق لرؤية ابنه الذي زاده فخرًا على فخر.



حياة وأمل:

عاد قيس إلى بيته، ودخل في لهفة فرأى ابنه كما تركه، وأمه بجواره وقد امتقع وجهها وتغير، فلم يلتفت لذلك؛ فعينه على ابنه "خالد".



أخذ خَنجرًا يضعه بين ملابسه للدفاع عن نفسه، واتجه نحو خالد يريد فك وَثاقه، ولكن الأم لم تدرك والابن لم يدرك.



ففزعت الأم، وبكى خالد من أجل والده، لا من أجل نفسه؛ فقد وهب حياته لله تعالى، ولا يخشى الموت؛ فقد وجد الحق، ولكن كيف يرضى الأب قتل ابنه وفلذة كبده، وأي عارٍ يحمله بقية حياته وقد سفك دم ابنه؟!



واندفعت الأم تمسك بيديه: ويحك يا قيس! إنه ابنك من لحمك ودمك، أتقتله لأمر ظنه خيرًا؟



أمسك "قيس" يدها برفق وقال: لا تخافي، لن أقتله، وإن قتلته فما طابت لي الحياة بعد ذلك، نظرت إليه في شك وقالت له: اسمع يا قيس، إن أردت أن تقتله فاقتلني أنا أيضًا، فوالله لقد اقتنعت وآمنت بما آمن به ابنك، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فافعل ما بدا لك!

ووقفت بينه وبين ابنه تحميه بجسدها.



وقف "قيس" وقد ذهل، يقول في نفسه: بهذه السرعة استجاب الله تعالى لي، وجمع بيني وبين ابني وزوجتي، ما أرحمه من إله حق! وما أكرمه من رب رحيم كريم!



ثم علت وجهه ابتسامة حانية، وأضاء وجهه وأشرق رضًا بما يحدث، وزوجته تنظر إليه في عجب، فرد فعله لم يكن تتوقعه قط.



ولم يمهلها لتستطرد في تفسير ما يحدث.



وأبعدها برفق وهو يقول لها: لا تخافي، ورب محمد الذي لا إله إلا هو، لقد شرح الله صدري، وآمنت بما آمنتم به، وهذا من فضلِ ربي.



وبينما هي في ذهول، تقدم وقطع بالخَنجر وَثاق ابنه، وضمه إلى صدره يبكي ويقول: لا تؤاخذني يا ولدي بما صنعت؛ فقد كان الحمل ثقيلاً، والحمد لله الذي هداني بسببك، والله لقد رأيت آية شرحت صدري للإسلام.



قال خالد: الحمد لله، الحمد لله، نعم الأب أنت، ثم نظر لأمه وقال: ونعم الأم أنت، بارك الله لكما، ورزقني برَّكما ما طابت لي في هذه الدنيا حياة!



بكى خالد وبكى والداه.

ثم تنهد "قيس والد خالد" وقال في جدية: الحمد لله على نعمة الإيمان بالله تعالى، ولكن لنكتم إسلامنا حتى لا يؤذينا مَن لا يرحمنا ولا يعرفنا، أو يشي بنا من لا يحبنا ويحسدنا حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً.



ووافق الجميع، ودبَّت في أرجاء البيت حياة جديدة، يملؤها الأمل، ويضيء نورها الإيمان والتوكل على الله تعالى.



وشرعوا على الفور بكسر الأصنام، والتخلص منها في أرجاء البيت، واستمر "قيس" في صنعته في صنع السيوف بحماس منقطع النظير حتى لا يشك فيه أحد.



ينتظر حتى يأتي أمر الله تعالى، ويوحي إلى رسوله بما يفعله؛ ليفرحوا بإسلامهم بكل حرية بلا خوف.



وظل "خالد" يساعد أباه تارة، وتارة أخرى يلعب مع الفتيان، وهو يكتم خبره، ولكنه يختلط بالناس ليسمع ويراقب عن كثب، وقد وجد حياته أخيرًا، حياة لها هدف ومعنى وقيمة.



حياة يعبد فيها ربًّا يسمع ويرى، حي قيوم، يعلم ما يقوله، ويسمع كلامه، فيما يتناقله الناس من وحي ينزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، وينتظر اليوم الذي يفك فيه ربه كرب المؤمنين به؛ ليستخدم كل طاقته لنصرة الدين الذي رأي فيه الحق كل الحق.



بينما ظلت أمه في بيتها تعين زوجها وابنها على الصبر والطاعة، وتذكرهما دومًا بالله تعالى، وكرمه وفضله ورحمته التي جمعت بينهم على حب دينه والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم.



ثم مرت الأيام، وجاء الأمر بالهجرة والفرار بالدين مهما كان الثمن، وكان "خالد" وأسرته في انتظار هذه اللحظة.



فتركوا كل شيء، وأخذوا ما يعينهم على مشقات الرحلة ومصاعب الطريق، وبدأت هجرتهم سرًّا مع الكثير من المؤمنين إلى "المدينة"، وقد كانت رحلة شاقة، فيها الكثير من المشقة والأهوال، ولكن يكفي أنه قد اجتمع شملهم مع إخوانهم في الدين.



يصلون معًا، ويذكرون الله بلا خوف جهارًا نهارًا.

وقد ارتسمت على وجوهم علامات الرِّضا والسكينة.

لم يقلقهم مطاردة المشركين، وتربصهم بهم، ولم يخافوا أبدًا.



فقد كان يقينهم بالله قويًّا، وتوكلهم عليه بلغ مداه، حتى ظهرت على مرمى البصر ملامح مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.



وأخيرًا، قد آن الأوان لتستريح القلوب، وترتوي من ينبوع الإيمان ما شاءت بلا حد.

آن الأوان للجهر بشهادة أن إله إلا الله محمد رسول الله بلا خوف أو قهر من المشركين.



وفي المدينة، كانت حياة ثرية مليئة بالأعمال النافعة التي تجمع بين الدين والدنيا، وطغى الحب والإيثار والتكافل بين المؤمنين.



وبدأت بشائر الجهاد في سبيل الله تعالى تؤتي ثمارها، وينتشر الدين، وتحطم الأصنام التي تعبد من دون الله تعالى، ويدخل الناس في دين الله أفواجًا، وكانت هناك مواقف وقصص وبطولات تستحق أن نرويها، وتلك قصص أخرى ربما نكتب عنها فيما بعد.



تمت بحمد الله!

ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك


توقيع :

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا والمسجد الأقصى".

رد مع اقتباس
إعلانات جوجل أدسنس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مشرف
رقم العضوية : 137
تاريخ التسجيل : Jan 2015
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 2,246
عدد النقاط : 10

الباحث غير متواجد حالياً

افتراضي

كُتب : [ 12-06-2018 - 03:20 AM ]


موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
للاطفال, فتى, قريش, قرشي, قصة


 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



إعلانات جوجل أدسنس

Loading...


Designed by