دور العلماء المسلمين في المقاومة ضد الصليبيين فى بلاد الشام ( 491- 690هـ ) - منتدى الأنساب
  التسجيل   التعليمات   قائمة الأعضاء   التقويم   البحث   مشاركات اليوم   اجعل كافة الأقسام مقروءة
أدعية
 
التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
قريبا أسماء القُراء في الحضرة الخليلية
بقلم : د.حازم زكي البكري الصديقي
قريبا


العودة   منتدى الأنساب > المنتدى الإسلامي > تاريخ الأمة الإسلامية

بحث جوجل

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية د.حازم زكي البكري الصديقي
 
رئيس مجلس الادارة
د.حازم زكي البكري الصديقي غير متواجد حالياً
 
رقم العضوية : 2
تاريخ التسجيل : Oct 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 4,338
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
افتراضي دور العلماء المسلمين في المقاومة ضد الصليبيين فى بلاد الشام ( 491- 690هـ )

كُتب : [ 03-27-2017 - 05:59 AM ]


إعلانات جوجل أدسنس
دور العلماء المسلمين في المقاومة ضد الصليبيين فى بلاد الشام
( 491- 690هـ / 1098- 1291م )






أولاً : دور الفقهاء والعلماء المسلمين :
كان للفقهاء والعلماء دور فاعل في المقاومة الشعبية ضد الصليبيين، وهذا الدور لا يقل بل يزيد على ما قام به الجنود المحاربون لمقاومة الغزو الصليبي، فحمل السلاح لم يكن هو الوسيلة الوحيدة التي استخدمها الفقهاء والعلماء في المقاومة الشعبية ضد المحتلين بل كان للوعظ والإرشاد والحث على الجهاد والتحريض والتوعية المستمرة بين الجنود، ومشاركتهم، وتبيان فضل الجهاد والمجاهدين عند الله، وشحذ الهمم والتشجيع والخطابة الدائمة فيهم، وتلاوة القرآن الكريم، كل ذلك كان له أكبر الأثر في تعزيز المقاومة الشعبية وحثها للالتفاف حول الزعماء والقادة( )، وقد وقف الفقهاء والعلماء بجانب القادة في المعارك يذكرونهم، ويعلمونهم ويفقهوهم أحكام القتال، والفئ والغنائم، لذلك كان دورهم أهم وأعمق وأدق.
اتخذ هؤلاء الفقهاء والعلماء من المساجد( ) مكاناً خاصاً للقيام بهذا الدور، الذي لم يكن مقصوراً على الصلاة وأداء الشعائر الدينية فحسب، وإنما كان مكان مشاوراتهم، والمكان الذي ينطلق منه المقاومون والمحاربون في سبيل الله.
ولعل بداية المقاومة الشعبية لتلك الفئة؛ من مدينة القدس فبعد اجتياح الصليبيين الفرنجة للمدينة جاسوا خلال الديار، وانطلقوا في شوارعها وبيوتها ومساجدها يقتلون كل من صادفهم من الرجال والنساء والأطفال ولبث الإفرنج في البلد أسبوعا يقتلون المسلمين( )، ثم اقتحم الغزاة المحتلين المسجد الأقصى وارتكبوا فيه مذبحة وحشية ضد من لجأ إليه وكان منهم "جماعة كبيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبادهم وزهادهم ممن فارق الأوطان وجاور بذلك الموضع الشريف"( ).
ويبدو مما سبق في تركز العلماء والعباد والفقهاء في المسجد الأقصى أنهم كانوا هم آخر من استسلم، ودليل واضح وقوي على أن رجال الدين آنذاك والعلماء أيضاً لم يقتصر دورهم على مهمة الوعظ والإرشاد وشحذ الهمم وتقوية النفوس وإنما حملوا السلاح، وقاتلوا حتى نالوا شرف الشهادة في سبيل الدفاع عن المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد حفلت كتب التاريخ والتراجم بالكثير من الأمثلة حول علماء وفقهاء ساهموا مساهمة إيجابية بالسلاح واللسان للتصدي للصليبيين، فقد كانوا هم عماد دعوة الجهاد لأنهم أحسوا بخطر الصليبيين، وكانت دعوتهم إلى التجمع ونسيان الخلافات والأطماع الدنيوية والنزاع الذي كان سبباً للفرقة والضعف، وكان قد بلغ الحماس الديني بالعامة مبلغه، ولم يستجب الأمراء والحكام – أول الأمر- لذلك الحماس الديني لأنهم لم يكونوا ليستشعروا مسؤوليتهم في مواجهة العدوان، لكنهم استجابوا بعد ذلك في عهد صلاح الدين الأيوبي، وبشكل كبير حتى أن استجابتهم تلك تحولت في بعض الأحيان إلى معاتبة لبعض العلماء على تقصيرهم في عدم الوقوف ضد المتخاذلين، ومن أمثلة ذلك ما حدث بعد وفاة نور الدين محمود زنكي عام 569هـ/1174م حيث هاجم الصليبيين بانياس فـ" ظهرت خيبتهم وبان اليأس"( )، ثم خرج إليهم شمس الدين بن المقدم قائد عساكر دمشق واتفق معهم على الهدنة، وأن تدفع دمشق مبلغ مستعجل من المال، كما يتم إطلاق عدد من الأسرى الصليبيين( )، وقد وصلت أخبار هذه الهدنة إلى صلاح الدين في مصر واعتبرها "مؤذنة بذلّ الإسلام"( ) وأرسل كتباً إلى أعيان وعلماء دمشق منهم الشيخ شرف الدين ابن أبي عصرون( ) فيها ملام وعتاب يقول فيها "وسيدنا الشيخ أول من جرد لسانه الذي تغمد له السيوف وتجرد، وقام في سبيل الله قيام من يقطّ عادية من تعدى وتمرد"( ).
ويعتبر الخطيب أبو الحسن على بن مسلم بن الحسن السلمي الدمشقي (452- 533هـ/ 1060-1138م ) أحد هذه الأمثلة على بروز الفكرة السابقة- الجهاد والوحدة وضرورة نبذ الفرقة والتشرذم- فقد شهد السلمي وهو في أواخر عمره غزو الصليبيين للشام، فخصص دروسه في جامع بني أميه الكبير للحديث عن فضائل الجهاد، تحريضاً لأهالي الشام على مقاومة المحتلين، وألف كتاباً في اثني عشر جزءاً أسماه "كتاب الجهاد"( )، ذكر فيه معارك الإسلام الأولى ودور المجاهدين، مع ذكر الآيات والأحاديث النبوية التي تحض على الجهاد وتبين مكانة المجاهدين، كما شرح فيه أبعاد الاحتلال الصليبي، وهو أول من بين أنه هجوم غربي على العالم الإسلامي كله ذو ثلاث شعب: الأولى في الأندلس، والثانية في صقلية وأفريقيا، والثالثة في بلاد الشام( ).
وقد اعتبر السلمي في إحدى خطبه وهي بعنوان "الغزو واجب"( ) توقف المسلمين عن ممارسته سبباً في اختلاف كلمتهم وتمزق وحدتهم من جهة، وفي طمع الأعداء بهم واحتلال بلادهم مبتدئين بالمناطق الأقرب متابعين حتى بلاد الشام التي وجدوها ممالك مختلفة متنافسة، ومذاهب متعددة مما أغرى باحتلالها ، ثم شرح مسؤولية الإمام في قيادة الجهاد وفق مصلحة المسلمين، وبعد ذلك يقول:"فقد تبين مما ذكرت أنه إذا احتيج إلى الجماعة بغزو كلهم فرضاً واجباً عليهم وذلك في مثل هذه الحال التي نحن عليها الآن مع هذه الفرقة الهاجمة على بلاد الشام –يقصد الصليبيين-"( ) .
ثم يبين السلمي ضرورة النفير في الحال لاسيما مع قلة العدو وبعد ناصرهم، ثم ينادي: "فشمروا عن سوق الاجتهاد إلى مفترض هذا الجهاد ومتعين الذب عن دينكم وإخوانكم بالمؤازرة والإنجاز"، وفي هذا حث للمقاومة الشعبية على ضرب الصليبيين مع علمه أن هذا العدو لا يمكن أن يستمر دون أن يأتيه المدد من أوروبا لأنه يعاني من نقص العنصر البشري وهذا في مصلحة المقاومة الشعبية.
ويبين أن الجهاد متوجب على الجميع ، ثم يتحدث السلمي في خطبته عن ضرورة تآلف ووحدة المسلمين في كل ديار الإسلام لمواجهة الغزو الصليبي ، ويطالب بعودة الوئام و الصفاء مستشهداً بما كان يفعله العرب حتى قبل الإسلام، ثم يصل إلى نقطة هامة فيطالب بمساعدة أهالي الساحل المحاصرين المجاهدين لأنهم الآن شاغلون للعدو عن هذه البلاد وما يليها من مصر ونواحيها"( ).
ومن خلال عرض المقتطفات السابقة من خطبة السلمي يتضح –كما سبق أن قدمنا- مدى إحساس العلماء والفقهاء بمخاطر الغزو الصليبي على بلاد الشام، ويمكن أن نستنتج أن هؤلاء العلماء والفقهاء استندوا في حثهم الناس على المقاومة والجهاد من خلال استفادتهم من فكرة الجهاد التي رسخها الإسلام كمفهوم أساسي وواجب على جميع المسلمين للدفاع عن الأمة، وتأمين استمرارية حيويتها ونشاطها.
ولم يكن السلمي وحده من ركز في مؤلفاته على الجهاد وبيان فضائله، ولكنه يعتبر بداية من افتتح هذا التوجه نحو هذا النوع من المؤلفات، لأن طبيعة العصر وما حدث فيه من تحولات سياسية جذرية بعد احتلال الصليبيين لأجزاء كبيرة من بلاد الشام أثرت حتى على نتاجات ومؤلفات الفقهاء الذين ركزوا في طروحاتهم الفكرية ونتاجاتهم العقلية على الجهاد وفضائله وذلك من أجل شحذ همم السكان المحليين في بلاد الشام لمقاومة الصليبيين( )، وينطبق ذلك بصورة واضحة على ابن عساكر الذي ألف كتاباً احتوى أربعين حديثاً عن فضائل الجهاد( )، وطاهر بن نصر الله بن جهبل المتوفى سنة 596هـ/1199م الذي ألف لنور الدين محمود زنكي كتابا في فضل الجهاد( )ولشغف نور الدين بالجهاد وضع فيه كتاباً بقلمه( )، وذكر ابن شداد( ) أن حب الجهاد قد استولى على قلب صلاح الدين ولهذا جمع له ابن شداد كتاباً جمع فيه كل آدابه، وكل آية وردت فيه، وكل حديث روي في فضله( )، ومن هذه الكتب كتاب ألفه محمود بن محمد بن صيفي ، ومنها كتاب لعز الدين ابن الأثير( )، وكتاب لأبي العوالي( ) وفرغ منه سنة 647هـ/1249م.
ومن الفقهاء و العلماء الذين برزوا في بداية الغزو الصليبي وحمل السلاح ضدهم الشيخ أبو القاسم الأنصاري( ) الذي كان قاضياً للقدس عندما اجتاحها الصليبيون ، وقد تزعم حركة المقاومة الشعبية ضد الصليبيين، ولعب دوراً بارزاً في القتال وتحريض الناس على الجهاد في سبيل الله، وقد قاموا بالقبض عليه وساقوه أسيراً وبدأوا ينادون في فكاكه بألف دينار فلما علموا أنه من علماء المسلمين ، وعند ذلك أقدموا على إعدامه ، حيث رمي بالحجارة على باب أنطاكية( ) ومن هؤلاء العلماء أيضاً الشيخ أبو القاسم الرازي( ) الذي استشهد مدافعاً عن ثرى القدس الشريف( ).
ولم تقتصر المقاومة الشعبية على علماء المشرق فقط، بل شاركهم ومنذ بدء الحركة الصليبية علماء وفقهاء مغاربة( ) كانوا ضمن جيوش الأفضل بن بدر الجمالي،"وأبلوا بلاء حسناً"( ) ومن هؤلاء العلماء فقيه مغربي كان قد وفد من الملثمين (المرابطين) إلى بغداد حيث قام بالوعظ والتحريض في جامع دار الخلافة "واجتمع له العالم الطيب"( ) ثم غادر بغداد إلى القدس ليشارك في المقاومة الشعبية بحيث "لم يكن للمصريين حرب مع الفرنج إلا من شهدها فقتل في بعضها شهيداً، وكان شجاعاً فتاكاً مقداماً"( ).
وممن استشهد في بداية الغزو الصليبي مدافعاً عن مدينة أنطاكية قبيل سقوطها عام 491هـ/1098م الفقيه أبو عبد الله الحسين بن الحسن الشهرستاني( )، الذي "خرج مع الجموع إلى أنطاكية فاستشهد بها"( ).
وقد أثار استيلاء الصليبيين على القدس المسلمين في جميع المناطق خاصة مصر والشام والعراق، وخلق ذلك الاحتلال توتراً في العالم الإسلامي "وانزعج المسلمون في سائر ممالك الإسلام بسبب أخذ بيت المقدس غاية الانزعاج"( ) قاده زعامته الفكرية الشعراء والكتاب والعلماء والفقهاء، الذين جردوا حملة إعلامية لإثارة الناس ودفعهم لتحرير الأراضي المقدسة( )، وبدأت دعوة الجهاد تسري بين الناس في العالم العربي الإسلامي بسرعة كبيرة( )، وفي رحم الحركة الفكرية التي قادها المفكرون تبلورت اتجاهات المقاومة الشعبية ضد المحتلين الصليبيين، فخرجت من دمشق خاصة وبلاد الشام عامة سنة 492هـ/1099م جماهير شعبية حاشدة بزعامة القاضي زين الدين أبي سعد الهروي( ) إلى بغداد ليشكلوا رأي عام ضاغط على الحكام المتخاذلين "فأوردوا كلاماً أبكي العيون وأوجع القلوب، وقاموا في الجامع يوم الجمعة فاستغاثوا وبكوا وأبكوا، وذكروا ما دهم المسلمين بذلك البلد الشريف المعظم من قتل الرجال وسبي الحريم والأولاد"( )، وبناءً على ماسبق "ندب الخليفة ببغداد( ) الفقهاء إلى الخروج في البلاد ليحرضوا الملوك على الجهاد، فخرج الإمام أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي، وغير واحد من أعيان الفقهاء وساروا في الناس"( )، ليحرضوهم على المقاومة.
ونتيجة لذلك تجمهر الناس في المحلات العامة في دمشق وحلب، ودخل الكثير منهم بقيادة علماء الدين المساجد وأخذوا يدعون للجهاد والمقاومة، وبسرعة، ضد المحتلين( )، فقد كان المسلمون إذا لمسوا تهاوناً من الحكام المسلمين، بصدد الجهاد ضد المحتلين الصليبيين، اجتمعوا ومعهم رجال الدين وتوجهوا إلى المساجد لإعلان احتجاجهم كي تصل صرخاتهم إلى الحكام، وقد استمرت حملات الإستنفار والاستغاثة الشعبية رغم مرور أكثر من عقد على سقوط القدس وغيره من المدن الإسلامية ففي أول جمعة من شعبان سنة 504هـ/1110م سار جماعة من "أهل حلب وجماعة من الصوفية والتجار والفقهاء إلى جامع السلطان( ) ببغداد فاستغاثوا وانزلوا الخطيب عن المنبر وكسروه وصاحوا وبكوا لما لحق الإسلام من الإفرنج وقتل الرجال وسبي النساء والأطفال، ومنعوا الناس من الصلاة"( ). وأخذ الخليفة في الاستعداد ويتهيأ السلطان للغزو نتيجة لتلك الضغوط "فلم يتم ذلك لضعف عساكر العراق"( ) "ولم تنجدهم عساكر مصر "( )، وفي سنة 532هـ/1137م خرج أهالي حلب وبزاغة من النساء والصبيان والرجال في مظاهرة كبيرة دخلوا بها المساجد ومنعوا الناس من إقامة الصلاة، ودفعوهم لقتال الأعداء واضطروا لكسر المنابر( ).
وواصل الفقهاء ورجال الحركة الفكرية تزعمهم لردود الأفعال الشعبية ضد أي تخاذل أو تفريط يلمسوه من جانب زعمائهم السياسيين، فقد اعتبر المسلمون في بلاد الشام أن معاهدة السلام التي عقدها السلطان الأيوبي الكامل مع الأمبراطور فريدريك الثاني في السابع والعشرون من جمادي الأولى عام 626هـ/23نيسان(إبريل) 1229م( ) والتي تقضي بتسليم القدس للصليبيين كارثة حقيقية، وكان رد فعل العلماء عنيفاً ضد السلطان الذي برر موقفه بقوله" إنا لم نسمح للفرنج إلا بكنائس وأدر(أديرة) خربة والحرم وما فيه من الصخرة المقدسة وسائر المزارات بأيدي المسلمين على حاله وشعار الإسلام قائم على ما كان عليه، ووالي المسلمين متحكم على رساتيقه وأعماله"( ) وعلى الرغم من ذلك "استعظم المسلمون ذلك وأكبروه ووجدوا له من الوهن والتألم مالا يمكن وصفه"( )، وعندما قرر تطبيق الاتفاقية على أرض الواقع "نودي بالقدس بخروج المسلمين وتسليم القدس إلى الفرنج، فوقع في أهل القدس الضجيج والبكاء"( ) "والصراخ والعويل، وحضر الأئمة والمؤذنون من القدس إلى مخيم الكامل، وأذنوا على بابه في غير وقت الأذان، فعز عليه ذلك"( ) وهذا من أكبر الأدلة على درجة التأثير التي تركتها ردود الفعل الشعبية بقيادة الفقهاء والعلماء على ما فعله الكامل ، أضف الى ذلك ما قام به الشيخ الفقيه الواعظ سبط ابن الجوزي( )، بأمر من الناصر داود أن يعقد مجلساً للوعظ يذكر فيه فضائل بيت المقدس، وماحل بالمسلمين من تسليمه إلى الصليبيين وقد وصف سبط ابن الجوزي ذلك المجلس وردة الفعل الشعبية الإسلامية على تسليم الكامل القدس للصليبيين بقوله: بأنه عندما وصلت الأخبار بذلك "قامت القيامة في جميع بلاد الإسلام، واشتدت العظائم، بحيث أقيمت المآتم، وأشار الملك الناصر داود أن أجلس بجامع دمشق، وأذكر ما جرى على البيت المقدس، فما أمكنني مخالفته، ورأيت من جملة الديانة الحمية للإسلام موافقته، فجلست بجامع دمشق، وحضر الناصر داود، على باب مشهد علي، وكان يوماً مشهوراً، لم يتخلف من أهل دمشق أحد"( )، وأورد كلاماً كثيراً عن هذه الحادثة العظيمة والمصاب الجلل الذي أصاب الأمة.
وقد وصف ابن واصل( ) والذي حضر مجلس سبط ابن الجوزي بأنه "كان مجلساً عظيماً..ارتفع ضجيج الناس وبكاؤهم، فلم ير إلا باك أو باكية".
وعندما سلم الصالح عماد الدين إسماعيل( ) قلعة صفد وقلعة الشقيف وبلادها ومناصفة صيدا وطبريا وأعمالها، وجبل عاملة، وسائر المناطق الساحلية للصليبيين سنة 639هـ/1241م ، "وأذن للفرنج في دخول دمشق وشراء السلاح، فأكثروا من ابتياع الأسلحة وآلات الحرب من أهل دمشق، فأنكر المسلمون ذلك، ومشى أهل الدين منهم إلى العلماء واستفتوهم، فأفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام( ) بتحريم بيع السلاح للفرنج وقطع من الخطبة بجامع دمشق الدعاء للصالح إسماعيل، وصار يدعو في الخطبة بدعاء منه: "اللهم أبرم لهذه الأمة إبرام رشد تعز فيه أولياءك، وتذل فيه أعداءك، ويعمل فيه بطاعتك، وينهي عن معصيتك، والناس يضجون بالدعاء"( ) وعندما علم بذلك الصالح إسماعيل أمر بحبسه هو وابن الحاجب( ) الذي أنكر معه ما فعله الصالح إسماعيل بفرض الإقامة الجبرية عليه بعد أن عزله عن الخطابة، ومنعه من الفتوى وأن لا يدخل عليه أحد إلا الطبيب أو المزين –الحلاق- ( )، ثم نزح إلى بيت المقدس ، ومنها إلى نابلس بناء على طلب من الملك الناصر حاكم الكرك و نابلس الذي استدعاه لتحريض الناس على مقاومة الصليبيين والصمود أمام المذابح التى أوقعها هجوم الداوية على نابلس فى ذي الحجة 637هـ/يونيه ـيوليه 1240م ،ويصف له فداحة الهجوم وما أحدثه من خسائر( ).
وبعد نزوله عند الناصر وصل الصليبيون وحلفاءهم من العساكر الإسلامية بقيادة الصالح إسماعيل ،والملك المنصور صاحب حمص ، وعسكروا في القدس ليستأنفوا بعدها الهجوم على مصر، ولأنهم خشوا من تحريض العز ابن عبد السلام ، أمر الصالح إسماعيل جنوده بإحضاره من نابلس إلى القدس ثم "اعتقله فى خيمة إلى جانب خيمة السلطان "( )، وقد سأل الصليبيون الصالح ،من يكون هذا الشيخ؟ فرد عليهم قائلا: "هذا أكبر قسوس المسلمين وقد حبسته لإنكاره علي تسليمي لكم حصون المسلمين وعزلته عن الخطابة بدمشق وعن مناصبه ثم أخرجته فجاء إلى القدس وقد جددت حبسه واعتقلته لأجلكم ،فقالت له ملوك الفرنج لو كان هذا قسيسنا لغسلنا رجليه وشربنا مرقتها"( )
وقد برز دور الفقهاء والعلماء واضحاً في الدفاع عن المدن الإسلامية أثناء حصار الصليبيين للمدن الشامية، يدلنا على ذلك ما ذكره ابن القلانسي( ) من أن أهل صيدا وبعد أن فشلوا في مقاومتهم للصليبيين سنة 503هـ/1109م قاموا "بإخراج قاضيها وجماعة من شيوخها وطلبوا من بغدوين –بلدوين الأول- الامان فأجابهم إلى ذلك" ويبدو من رواية ابن القلانسي أن القاضي وهو من الفقهاء كان يقود المقاومة الشعبية ضد الصليبيين المحاصرين لمدينة صيدا، وتدل روايته على أن أهل صيدا هم من قاوم الصليبيين ولم يكن هناك أي قوة نظامية أو حامية فاطمية رسمية تدافع عن المدينة وإلا فلماذا خرج القاضي والشيوخ لطلب الأمان، وإذا كانت هناك قوة رسمية أو نظامية تدافع عن المدينة فلماذا لم يخرج قائد الحامية, أو من يمثله ليتفاوض مع القوات الصليبية؟!
وقد ظهرت معالم أخرى لدور الفقهاء كمتطوعين في المقاومة في شمال بلاد الشام حيث تزعم الفقيه الحلبي القاضي أبو الفضل ابن الخشاب المقاومة ضد الصليبيين خاصة في معركة البلاط( ) سنة 513هـ/1119م، إذ عمل ابن الخشاب على شحذ همم مجموعات المقاومة الشعبية والجنود على قتال الصليبيين، وأقبل يحرض الناس على القتال، وهو على حجر وبيده رمح، "وخطبهم خطبة بليغة استنهض فيها عزائمهم، واسترهف هممهم بين الصفين، فأبكى الناس وعظم في أعينهم"( ).
وقدر للحملة الصليبية الثانية 543هـ/1148م أن تشهد دوراً مقاوماً من جانب الفقهاء والعلماء الشاميين كنوع من المقاومة الشعبية ضد الصليبيين، وقد تمثل ذلك في دور اثنين من الفقهاء هما أبو الحجاج يوسف بن دوناس الفندلاوي( )، وعبد الرحمن الحلحولي( ) اللذان تزعما المقاومة الشعبية ضد الصليبيين المهاجمين لدمشق، ويصور لنا أسامه بن منقذ( ) الحوار الذي دار بين الفقيهين حيث قال الحلحولي للفندلاوي: هل هؤلاء الروم؟ (يعني الصليبيين) قال: نعم، قال فإلى متى نحن وقوف؟ قال: سر على اسم الله فتقدما فقاتلا حتى استشهدا رحمهما الله في مكان واحد". وكان معين الدين أنر حاكم دمشق قد طلب منهما آلا يشاركا في القتال نظراً لتقدم سنهما، ولكنهما رفضا إلا الجهاد والمقاومة، ويصور لنا ذلك الحوار رغبة دفينة للفقهاء لكي يشاركوا في المقاومة الشعبية ضد الصليبيين، وقد كان لاستشهادهما أكبر الأثر في إثارة المسلمين في دمشق ضد الصليبيين.
واستمر الفقهاء والعلماء في لعب دور هام كمتطوعين في المقاومة الشعبية في عهد نور الدين محمود فشاركوه الفتوح وصحبوه ،فكانوا يساندونه بالدعاء له وقراءة القرآن، ومن أمثلة ذلك ما حدث فى عام 545هـ/ 1150م عندما هاجم قلعة عزاز ( ) واستطاع فتحها ، حيث اشترك الفقهاء فى هذا الفتح ( )، ويظهر ذلك فيما أورده ابن العديم ( ) من أن أبو الحسين بن أبي عبد الله بن حمزة بن الصوفي المقدسي الزاهد أحد الأولياء المذكورين والأصفياء المستورين وأرباب الكرامات المشهورين ،قد طلب من نور الدين فتح عزاز بعد أن أسر حاكمها جوسلين و قال له: " تعال حتى نحاصر عزاز ونعاون المسلمين ثم عمل صورة قلعة من طين وقال لي امش حتى نزحف عليها ثم جعل يقول نصر من الله وفتح قريب نصر من الله وكسر الصليب وجعل يكرر ذلك ثم قال ها أخذناها أخذناها " .
وخلال أحداث معركة بانياس عام 552هـ/1157م التي تعتبر من أهم المعارك الحربية التي جرت ضد الصليبيين في العهد النوري، اشترك فيها عناصر من " الفقهاء الصوفية والمتدينين العدد الكثير"( ).
ويبدو من الرواية السابقة بروز عناصر أخرى إلى جانب الفقهاء ألا وهم المتصوفة والمتدينين الذين لا يقلون أهمية عن الفقهاء والعلماء.
ويلاحظ أن هذا الدور من المتصوفة إلى جانب الفقهاء يجعلنا لا نأخذ كحقيقة مسلمة ما قد أشار إليه ابن جبير( ) خلال رحلته في بلاد الشام من أن المتصوفة قد كفاهم الله "مؤن الدنيا وفرغ خواطرهم للعبادة من الفكر في أسباب المعايش".
فإن ابن جبير بحكم المدة القصيرة التي أمضاها هناك لم يلتمس كافة جوانب نشاط المتصوفة الشاميين، ومن ثم فقد تصور تفرغهم لأمور العبادة( ).
وسجل العلماء والفقهاء حضوراً في أول المعارك التي خاضها صلاح الدين في الثاني من جمادي الآخرة عام 573هـ/السادس والعشرين من نوفمبر 1177م. في معركة الرملة أو تل الصافية أو كما يسميها البعض بكسرة الرملة( )، ومما يدل على مشاركة الفقهاء في هذه المعركة، أنه بعد هزيمة المسلمين الذين "قدر الله كسرتهم... وتددوا وأسر منهم الفقيه عيسى( )" ( ).
وظل الفقيه عيسى أسيراً لدى الصليبيين مدة سنتين أي سنة 575هـ/1179م حيث افتداه السلطان صلاح الدين بستين ألف دينار وعدد من أسرى الصليبيين( )، وما فعله صلاح الدين لإطلاق سراح الفقيه عيسى إنما يدل على ما حظي به الفقهاء من أهمية ، وتقديراً لدورهم في شحذ الهمم لمقاومة الاحتلال.
ارتبط الفقهاء والعلماء كذلك كمتطوعين في جيش صلاح الدين مما يعني مشاركتهم في المقاومة الشعبية وبرز دورهم في فتح مدينة القدس، وهذا يجعلنا نتصور احتمال اشتراكهم في معركة حطين التي سبقت الفتح المبارك للقدس عام 583هـ/1187م، وهذا ما يؤكده ابن كثير( ) بأنه عندما عزم صلاح الدين على فتح القدس الشريف " قصده العلماء والصالحون تطوعاً" . وما تؤكده المصادر من أنه وبعد انتهاء المعركة فإن القاضي ابن أبي عصرون وهو من الفقهاء قاد الأسرى الصليبيين من الملوك والأمراء ودخل بهم دمشق وهو يحمل صليب الصلبوت منكساً( ).
وكان للفقهاء دور واضح في المشاركة في حصار الحملة الصليبية الثالثة المعاصرة لمدينة عكا، ومن بينهم الفقيه عيسى الهكاري الذي سبقت الإشارة إليه وقد وافته المنية خلال هذا الحصار ثم نقل جثمانه ليدفن في القدس( ).
كما واستشهد عدد من الفقهاء والعلماء خلال المعارك حول عكا منهم العالم الشاعر الزاهد الشيخ جمال الدين أبو علي الحسين بن عبد الله الذي ينتهي نسبه إلى ابن رواحة الأنصاري الخزرجي( )، والفقيه إسماعيل الصوفي الأرموي المكّبس وشيخ آخر لم يعرف اسمه( ).
وأفادت إشارة ابن شداد( )، أنه شارك بنفسه في الجهاد هو وعدد كبير من الفقهاء حين ذكر بأنه بعد استشهاد أحد الجنود قام بالصلاة " عليه مع جماعة من الفقهاء".
تعدى دور الفقهاء في المشاركة في المقاومة الشعبية إلى مشاركتهم في تحصين المدن الشامية من خلال بناء الأسوار وحفر الخنادق، ويدلنا على ذلك ما ذكرته المصادر الشامية من أنه عندما شرع السلطان صلاح الدين في تحصين القدس وعمارة أسواره، وحفر خنادقه سنة 587هـ، عمل السلطان في ذلك بنفسه وشاركه في نقل الحجارة "جماعة خواصه والأمراء، واجتمع لذلك العلماء والقضاة والصوفية والأولياء، وحواشي العساكر والأتباع وعوام الناس، فبنى في أقرب مدة ما يتعذر بناؤه في سنين"( ).
وواصل الفقهاء والعلماء جهودهم في مقاومة المحتل لنجدهم يشاركوا في صد العدوان الذي وقع على مدينة حماة سنة 601هـ/1204م على الرغم من هروب الكثير من الأهالي أثناء هذا الهجوم الصليبي( )، فهذا الفقيه شهاب الدين أبو القاسم ابن البلاعي والذي يذكره ابن الفرات( ) بأن كان من أكابر حماة "فقيهاً ورعاً شجاعاً يتزيي بزي الجند"( ). فكان من أوائل المقاومين الذين تصدوا لهذا الهجوم "فقاتل ذلك اليوم ورمى فارساً من الفرنج"( )،غير أن فرسه وقعت به فوقع أسيراً بأيدي الصليبيين وتم أخذه إلى إمارة طرابلس مع عدد كبير من الناس، ولكنه استطاع الهرب بعد وصوله إلى طرابلس بحيث لم يبت في حبس طرابلس ولا ليلة واحدة وعاد إلى أهله سالماً( ).
وفي سنة 607هـ/1210م تزعم الفقيه العالم المؤرخ الواعظ سبط ابن الجوزي ـ وكان خطيبا بارعا في الوعظ وتحبه العامة( ) مجموعات المقاومة الشعبية للهجوم على الصليبيين حول عكا ( ).
وخلال المرحلة الأيوبية يمكن أن نلتمس ملامح الدور الجهادي للفقهاء والعلماء المشاركين في المقاومة الشعبية في تراجم أعلام الفقهاء والعلماء، فنجد كلاً من ابن مفلح( )، والنعيمي( ) وابن العماد( ) وخلال ترجمتهم للفقيه عز الدين عبد الهادي بن شرف الإسلام الحنبلي المتوفى سنة 586هـ/1190م يستشهدون على قوته الجسدية بقولهم أنه "بارز فارساً من الإفرنج فضربه بدبوس فقطع ظهره، وظهر الفرس فوقعا جميعاً".
وفي ترجمة الشيخ الفقيه أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي المولود بقرية الساويا من أعمال نابلس سنة 528هـ/1133م ، والمتوفى سنة 607هـ/1210م، نجد أن من ترجم له من المؤرخين( )، يؤكدون على دوره الجهادي في مقاومة الاحتلال الصليبي في عهد صلاح الدين بحيث كان "مسارعاً إلى الخروج في الغزوات قلما يتخلف عن غزاة"( )، وقدمت بعض المصادر بعض التفاصيل عن تلك الأنشطة الجهادية حيث ذكرت أنه اشتراك في المعارك التي سبقت دخول المسلمين للقدس وكذلك معارك الساحل الشامي( )، ومن ناحية أخرى فإن الشيخ أبو محمد عبد الله بن عثمان بن جعفر اليونيني المتوفى سنة 617هـ/1220م ، قد قيل عنه أنه لم تفته غزوة من الغزوات بين المسلمين والصليبيين إلا اشترك فيها( )، وكان يطلب الصليبيين في مكامنهم "ولا يبالي بالرجال قلوا أو كثروا"( )، وكان له معداته الخاصة بالحرب والقتال ويفرح فرحاً شديداً إذا ما التقى بالصليبيين متمنياً الشهادة ويلقي نفسه بالمهالك، ومن الأمور ذات الدلالة أن اليونيني قد لقب بلقب "أسد الشام"( )، ومن الطبيعي أن هذا اللقب جاء نتاجاً لدوره الجهادي ضد الصليبيين .
وقد كان طبيعياً والأمر كذلك أن وجدنا للفقهاء والعلماء دورهم الجهادي في المقاومة خلال عصر سلاطين المماليك، وقد وجد لهم نشاطهم الجهادي خلال حصار قلعة أرسوف عام 663هـ/1265م ويقرر ان عبد الظاهر( ) ومن بعده المقريزي( ) انهم حضروا أحداث الحصار وشاركوا فيه، بل لدينا أسماء بعض أولئك الذين حضروا وشاركوا في إسقاط القلعة الحصينة ومنهم الشيخ على البكا، والشيخ إلياس( ).
وسجل المقريزي( ) حضور الفقهاء في فتح صفد سنة 664هـ/1265م، فقال عن ذلك خلال حديثه عن فتح المسلمين لمدينة صفد، : "وقدم الفقهاء للجهاد"( ) كذلك، خلال خروج الجيش لحصار الثقيف في سنة 666هـ/1267م.
كما شكل الفقهاء أحد عناصر المتطوعة من المقاومة الشعبية خلال حصار مدينة طرابلس سنة 688هـ/1289م بحيث حضر عدد من الفقهاء هذا الحصار ومنهم قاضي القضاة الحنبلي نجم الدين أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن أبي عمر بن محمد بن قدامة المقدسي المتوفي سنة 689هـ/1290م( )، وفي خلال أحداث سقوط عكا في أيدي المماليك عام 690هـ/1291م اشتركت عناصر "الفقهاء والمدرسين والعلماء"( ) في تلك الوقائع التاريخية كمتطوعين من أفراد المقاومة الشعبية في مواجهة الاحتلال الصليبي.
ومن ناحية أخرى شهدت بلاد الشام فصلاً ثانياً من الدور الجهادي للفقهاء، عندما تم صدامهم مع عناصر الرهبان الفرسان من الإسبتارية والداوية، ثم أن أحداث المواجهة بين الطرفين تعتبر من أخطر الأحداث التي زخرت بها قصة الصراع الإسلامي الصليبي نظراً لنوعية الفرسان الصليبيين ، ثم حقيقة موقف الفقهاء منهم وقتلهم لهم في بعض المعارك التي خاضها المسلمون( )، وقد أدرك الفقهاء الشاميون خطورة هذه العناصر الرهبانية ومدى دورهم الحربي العنيف، ومن هؤلاء الفقهاء الشيخ عبد الله اليونيني( )، ومن المحتمل أن إدراكه هذا كان يعكس إدراك قطاعات كبيرة من الفقهاء والعلماء بشأن التنظيمات الدينية الصليبية.

ثانياً:ـ مشاركة الأدباء والشعراء في المقاومة :
حمل الأدباء والشعراء وهم من الطبقة المثقفة في مجتمع بلاد الشام على عواتقهم عبء الدعوة إلى الجهاد ومقاومة المحتلين، وتوحيد الجهود الإسلامية المشتتة، لمقاومة العدو الصليبي الذي جاء ليقضي على المسلمين، ويحتل ديارهم، ومن هذا المنطلق بدأ الشعراء بمهمة التحريض على جهاد ومقاومة الصليبيين، وبث دعوة الجهاد والكفاح بين الناس( )، وكان لهذه القصائد التي امتلئت حماسة وقوة أثر عظيم في دفع الأهالي إلى مواصلة كفاحهم، وتكثيف جهودهم، حتى يستردوا ديارهم، ولم ينس شعراء الجهاد( ) أن يخصصوا جزءاً من أشعارهم لمدح القادة العظام، وفي الوقت نفسه هاجموا المتخاذلين المتقاعسين، كما نلاحظ أيضاً أن شعر الجهاد خلد عظماء المسلمين، الذين استشهدوا في سبيل الله؛ بقصائد رثائية رائعة( ).
كان الشاعر ابن الخياط ( )من أوائل الشعراء الذين دعوا إلى الجهاد فقد سمع بمجيء الصليبيين فثارت حميته، وأنشد قصيدة طويلة قدمها إلى عضب الدولة مقدم جيوش دمشق، حثه فيها على الجهاد، وذكر فيها بأن جيوش المشركين قد أقبلت إلى بلاد المسلمين، وهي كالسيل المنحدر، بل هي أعظم منه وأكبر حيث يقول:
وإني كمهده إليك القريـض يطوي على النصح والنصح يهدي
إلى كم وقد زخر المشركون بسبيــــل يهال له السيل مداً.
وقد جاش من أرض إفرنجة جيـــوش كمثل جبالٍ تردا( ).
ثم بعد هذه الأبيات التي لم يرد لها صدى يثور الشاعر ثورة عنيفة، ويستنكر الحالة المزرية التي وصل إليها المسلمون، وهو يريد بذلك دفع الناس لسرعة الاستعداد لمقاومة الصليبيين فيقول:

أنوماً على مثل هدّ الصفاة وهزلاً وقد أصبح الأمر جدا
وكيف تنامون عـن أعينٍ وترتم فأسهرتموهن حقدا( ).
وحتي يستثير الشاعر ابن الخياط همم ونخوة الأهالي للمقاومة، يصف لهم أفعال الصليبيين التي ارتكبوها في بلاد الشام، ووصف حالة الشعب المسلم وتعاسته وشقائه فيقول:
بنو الشرك لا ينكرون الفساد ولا يعرفون مع الجور قصدا.
ولا يردعون عن القتل نفساً ولا يتركون من الفتك جهدا.
فكـم من فتاة بهم أصبحت تدق من الخوف نحراً وخدا.
وأم عواتق –الشابة العزباء- ما إن عرف ن حراً ولا ذقن في الليل برداً.
تــــــــــكاد عليهن من خيفة تــذوب وتتلف حزناً ووجداً.
فحـــــــاموا عن دينكم والحريم محاماة من لايرى الموت فقدا.
وسدّوا الثغــــــور بطعن النحور فــمن حق ثغرٍِ بكم أن يسدا.
فقد أينعت أرؤس المشــــــركين فــلا تغفلوها قطافاً وحصداً.
فلا بد من حدّهم أن يفــــــــل ولا بد من ركنهم أن يهدا( ).
ثم يقول الشاعر في آخر قصيدته بأن العز في هذه الأيام مقترنات بجهاد الصليبيين، وإن الذي يريد العزة لنفسه يجب عليه أن يخلع الحديد عن جسمه، وأن يواصل الجهاد حتى طرد المحتل فيقول في ذلك.
فما ينزع اليوم عنه الحديد مــن رام أن يلبس العز رغداً.
و أيسر ما كابدته النفوس من الأمر مالم تجد منه بدا( ).
ومن المؤكد أن قصائد ابن الخياط قد أثرت تأثيراً كبيراً في أهل دمشق لذلك نجدهم يدافعون عنها ببسالة عندما قرر الصليبيون اجتياحها كما بينا ذلك من قبل.
وعندما احتل الصليبيون بيت المقدس بعد المعرة سنة 4920هـ/1099م تأججت عواطف المسلمين وثارت ثائرتهم وكان لهذا الحدث الجلل رد شعبي كبير، وكان من بينهم الشعراء الذين عبروا عن حزنهم العميق وندبوا أنفسهم وأقلامهم لتحريض الناس على المقاومة، ومن هؤلاء الشعراء الشاعر أبو المظفر الأبيوردي( ) الذي قال قصيدة مطلعها:
مزجنا دماء بالدموع السواجم فلم يبق منا عرصة للمراجم( ).
وشر سلاح المرء دمع يفيضه إذ الحرب شبت نارها بالصوارم.
فاءيها بني الإسلام، إنّ وراكم وقائع يلحقن الذري بالمناسم( ).
والشاعر الأبيوردي كغيره من شعراء الجهاد في قصيدته الطويلة والتي اقتصرنا فيها على مطلعها فقط، يعبر عن أحاسيسه ومشاعره التي يثيرها في نفسه اعتداء الصليبيين على بلاد الشام وأهلها، ولذا فإن كلماته كانت تأتي صادقة معبرة عن الواقع الذي يعيشونه دون مبالغة أو تزييف في المشاعر لجمع المال أو نيل الشهرة( ).
وقد أدى هذا الشعر دوره فاتحد المسلمون بعد ذلك، وحققوا كثيراً من الإنتصارات، وبدأ الشعراء يحرضون الحكام ويدعونهم لتحرير بيت المقدس قبل تحريره بأكثر من نصف قرن، وقد ظهرت الإشارة إلى ذلك في إحدى مدح ابن منير الطرابلسي بقوله:
وغـداً يلقي على القدس لها كـــلكل يدرسها درس الدرين( ).
همسة تمسي وتضحي عزمةً ليس حصن- إن تحطه- بحصين( ).
واستغل الشعراء كل فتح من الفتوح الإسلامية لتذكير الناس بمتابعة الجهاد ومواصلة المقاومة لتحرير باقي المدن ومنها مدينة القدس الشريف، فعندما فتح عماد الدين زنكي الرها أنشد ابن القيسراني قصيدة، ومما قاله:
أما آن أن يزهق الباطل وأن ينجز العـــدة الماطل.
فــــإن يك فتح لجة فساحلها القدس والساحل( ).
وانتهز الشعراء بعض الإنتصارات التي حققها المسلمون ليحرضوهم على مواصلة المقاومة فقال ابن القيسراني أبياتاً يهنئ نور الدين محمود على إنتصاره على صاحب أنطاكية سنة 544هـ/1149م( )، ويحرضه على النهوض لفتح القدس الشريف، ومما قاله:
أغــــرت سيوفك بالإفرنج راجفة فــــــؤاد رومية الكبرى لها يجب
فانهض إلى المسجد الأقصى بذي لجب يوليك أقصى المنى فالقدس مرتقب( ).
ولما أسر نور الدين الأمير الصليبي جوسلين( )عاود ابن القيسراني ليذكر المسلمين بفتح القدس وأن هذا الفتح لا يتحقق إلا بالمقاومة وبذل الدم، فيقول:
كــأني بهذا الغرام لا فل حدّه وأقصــاه بالأقصى، وقد قضي الأمر.
وقد أصبح البيت المقدس طاهراً وليس سوى جاري الدماء له طهر( ).
وهذا العماد الأصفهاني يمدح نور الدين محمود بعد استرداده لقلعة منبج سنة 563هـ/ م( ) ويحثه على مواصلة جهاده ويحرضه على فتح باقي البلاد ومنها القدس الشريف فقال:
فانتهض إلى البيت المقدس غازياً وعلى طرابلس ونابلس عج( ).
وهنأ العماد الأصفهاني نور الدين محمود توحيده مصر مع الشام واستغل ذلك بالقول بأن هذه الوحدة هي السبيل إلى تحرير القدس الشريف ومما قاله:
اغــــز الفرنج فهذا وقت غزوهم واحطــم جموعهم بالذابل الحطم.
وطهر القدس من رجس الصليب وثب عــلى البغاث وثوب الأجدل القطم.
فمـــلك مصر وملك الشام قد نظما في عقد عز من الإسلام منتظم( ).
ولم يقتصر التحريض على الوقائع المذكورة آنفاً، وإنما كان يظهر حتى في المدح الشخصي، ومن ذلك ما امتدح به ابن منير الطرابلسي نور الدين محمود حين هنأه بحلول شهر رمضان، ومما جاء فيها:
فــذاك من صام ومن أفطرا ومن سعي سعيك، أو قصرا.
أبقـــاك للدنيا وللدين من خــــلاك في ليلهما نيرا.
حتى ترى عيسى من القدس نجا إلى سيفك مستنصرا( ).
توفي نور الدين محمود سنة 569هـ/1174م( ) ولم يحقق الله على يديه آمال المسلمين ومنهم الشعراء في فتح القدس الشريف، فجاء بعده صلاح الدين الأيوبي الذي تطلعت المقاومة الشعبية على لسان قادة الحركة الفكرية ومن بينهم الشعراء والأدباء إليه ليحقق آمالهم في التحرير، وبدءوا يحرضونه على تحقيق هذا الأمل ، فقد مدح العماد الأصفهاني السلطان صلاح الدين وحرضه على الجهاد بقصيدة طويلة ، من أبياتها :
ويــــوم الفرنج إذا ما لقوك عـــــــبوس برغمهم قمطرير.
نهوضاً إلى القدس يشفي الغليـ ـل، بفتح الفتوح، وماذا عسير؟( ).
وسبق للشعراء والأدباء أن استبشروا ورأوا في صلاح الدين الأيوبي البطل الذي سيحقق للامة انتصاراتها ويخلصها من الاحتلال الصليبي لمقدساتها ، لذا سبق وأن مدحوه حتى في حياة نور الدين زنكي عندما كان مندوباً عنه في مصر ، ووزيراً للدولة الفاطمية ، ففي سنة 566هـ/1171م عندما غزا صلاح الدين بعض بلاد الشام المحتلة، وانتصر على من فيها من الصليبيين، مدحه عمارة اليمني( ) بقصيدة شعرية قال في بعض أبياتها :
أضفت إلى أجر الجهاد زيارة الـ ـخليــل فأبشر أنت غاز موفق.
وهيــجت للبيت المقدس لوعة يطـــول بها منه إليك التشوق.
وغــزوك هذا سلم نحو فتحه قـــــريباً وإلا رائد ومطرق.
هـو البيت إن تفتحه فالله فاعل فما بعده باب من الشام مغلق( ).
ولم يقتصر التحريض على تحرير القدس فقط بل شمل أيضاً مطالبة الشعراء حكامهم بتحرير الثغور التي تشكل تهديد بالنسبة للناس الآمنين، فعندما ملك صلاح الدين حصون أنطاكية، وفتح قلعة (برزويه)( )، مدحه أحد الشعراء، وحرضه على فتح مدينة صور، بقوله:
فانهض لصور، فهي أحسن صورة فــــــي هيكل الدنيا لمصور.
مــاسور صورٍ عاصم منه وهل سور المعاصم عاصم لمسور؟( )
وقد كان للشعراء والادباء دورهم في إثارة حماس زعماء المسلمين حتى وهم يعانون من الأسر، فقد "كان في بيت المقدس شاب مأسور من أهل دمشق كتب هذه الأبيات وأرسل بها إلى السلطان صلاح الدين على لسان القدس فقال:
يــــا أيها الملك الذي لمعالــم الصلبان نكس.
جــــاءت إليك ظلامة وأنـا على شرفي منجس.
فكانت هذه الأبيات هي الداعية له إلى فتح بيت المقدس، ويقال: أن السلطان وجد في ذلك الشاب أهلية فولاه بعد فك أسره خطابة المسجد الأقصى"( ).

لم يكن التحريض والحث على المقاومة مقصوراً على أمراء المسلمين أو ملوكهم ، بل تعداه إلى خليفة المسلمين، فعندما قصد الصليبيون جبل الطور قرب عكا سنة 614هـ/1217م وقاتلوه المسلمين فيه، وحاصروهم( ). فأرسل أحد الشعراء كتاباً إلى الخليفة فيهما بيتين من الشعر وهما:
قـــل للخليفة لا زالت عساكره لهــا إلى النصر إصدار وإيراد.
إن الفرنج بحصن الطور قد نزلوا لا تغفلن محصن الطور بغداد( ).
وفي عصر المماليك لم يدخر الشعراء والأدباء وسعاً في تحريض السلاطين على مواصلة الجهاد والمقاومة تأسياً بأسلافهم الأيوبيين حتى يتم القضاء على المحتلين قضاءاً مبرماً، فعندما فتح المماليك طرابلس الشام سنة 688هـ/1289م وخربوا حصنها، ابتهج لذلك الشعراء ومما قالوه في مدح أحدهم( ).
ألا هـكذا ياوارث الملك فليكن جهـاد العلا ما توالى به الدهر
نهضت إلى عليا طرابلس التي أقل عناها أن خندقها البحر( ).
وقد ذكر ابن تغري بردي( ) أن القصيدة طويلة كلها على هذا المنوال، وأشار إلى أن الشعراء عملوا في الفتح عدة قصائد، إذ أن أخباره كتبت فيها البشائر، وزينت المدن وعملت القلاع في الشوارع( ).
تلك هي صور عابرة اقتطفناها من الأحداث الكبرى، وننتهي من ذلك كله لنؤكد على أن الشعراء في ذلك العصر خرجوا عن نطاقهم التقليدي، وأدوا واجبهم كاملاً في حومة الصراع المرير، وكان لشعرهم ِأثر كبير في تهيئة النفوس وتحريضها على الجهاد ومقاومة المحتل، لأنهم يعبرون في قصائدهم عما يختلج في نفوسهم من بغض للأعداء، ورغبة ملحة في طردهم من بلاد المسلمين، كما كانوا يعبرون في الوقت نفسه عن أماني الشعب المسلم وتطلعاته في استعادة بلاده ومقدساته، وقد خرج شعر الجهاد من رحم المعاناة التي عايشها ومر بها هؤلاء الشعراء من بلاد الشام فكان صادقاً ومعبراً( ).
لم يقتصر دور الشعراء والأدباء في مشاركتهم في المقاومة الشعبية على مجرد التحريض وشحذ همم الحكام والناس من أجل طرد المحتلين بل تعدى ذلك إلى مجال أكثر حيوية آلاوهوالمشاركة في المعارك فحين قصد الصليبيون دمشق في عام 548هـ/ وكان من بينهم الشاعر الأندلسي أبي الحكم بن المظفر( ).
الذي وصف لنا هذا الاجتياح، وأكد على مشاركة كافة شرائح المجتمع ومنهم الشيخ الفندلاوي ويقول فيها:
وقلنـــا إذ رأيناهم لعــل الله يكفينا.
سمالهـــم معين قد أعان الخلق والدينا.
وفتيــــان تخالهم لدى الهيجا شياطينا.
وشيـــخاً منذ لاوياً فـقيهاً يعضد الدينا.
وفتيــاناً تغانوا من دمشق نحو سبعينا.
ومنهم مئتـــا علج وخيـل نحو تسعينا.
وبــاقيهم إلى الآن من القتل يفرونا( ).
وتظهر مشاركة الأدباء و الشعراء من خلال ما أورده البنداري( ) من قول العماد الأصفهاني بأنه عند نزول الصليبيين من حماة ليقصدوا حلب سنة 573هـ/1177م كنا سايرين في رفقة من أهل الأدب" ترى ماذا كان يفعل هؤلاء الأدباء في رفقة جيش صلاح الدين المتجهة لنجدة مدينة حلب؟!
ومن الشعراء من شارك في معركة حطين ثم صحب صلاح الدين لفتح القدس الشريف في 27رجب 583هـ/1187م ويظهر ذلك من خلال ما أورده الشاعر ابن الساعاتي، حيث تعرض الشاعر في قصيدته لحادثة وقعت له وهو في طريقه إلى صلاح الدين، فأتت على كل ماله، وأصبح معدماً( ) ويتضح ذلك من قوله:
فيا كاشـف الجلى ويا محي الهدى ويا قاتل البلوى، ويا كاشف الغما.
رمتنـــي الليالي والليالي مصيبة فـكم لسهام الحزن في كبدي كلما.
وأصبحت من مالي وصبري معدوماً وفـي أي باغي ثروة عدلت قدما.
لقد جازت الأقـــدار في بحكمها ولم تزل الأقدار تقهرنا حكما( ).
ومهما يكن من أمر فقد دلت الأبيات الشعرية التي أوردها الكثير من شعراء الجهاد أمثال ابن القيسراني وابن منير الطرابلسي وابن الساعاتي وغيرهم من الشعراء حول وصف المعارك والأسلحة، وآلات الحصار وصفاً دقيقاً كما وصفوا سقوط الحصون والمعاقل الصليبية؛ على أن هؤلاء الشعراء قد شاركوا إلى جانب القوات الرسمية في تلك المعارك وإلا فمن أين لهم بهذه المشاهدة والأوصاف التي تنم على أنهم رأوها رأي العين، ولم يصفها لهم أحد، وإلا لما أجادوا الوصف( ).
وكما تحدث الشعراء عن المعارك وحرضوا المسلمين وقادتهم على المقاومة والجهاد، فإنهم حملوا على الأمراء والملوك المتقاعسين الذين لا يشاركون في الجهاد، فانتقدوهم بشدة وشنعوا عليهم، فهذا ابن أسعد الموصلي( ) يمدح صلاح الدين سنة 576هـ/1180م ثم يتحدث عن الملوك المتقاعسين عن الجهاد فيقول:
ليفد حياء وجهك كل وجهه إذا سئـل الندى جهم وقاح
ملــوك جلهم مغري بظلم ومشغول بلهو أو فرح( ).
ومن أشكال التنديد ما قاله بعض الشعراء حول تسليم بعض الأمراء لبعض الحصون وبيعها للصليبيين دون الدفاع عنها فقال العماد الأصفهاني سنة 594هـ/1197م عندما سلم الأمير عز الدين أسامه بيروت إلى الصليبيين دون قتال:
إن بيع الحصون من غير حرب ســـنة سنها ببيروت سامه
لعـن الله كل من باع ذا البيع وأخزى بخزيه من سامه( ).
كمـا ندد الشعراء بموقف الملك الكامل الذي سلم القدس للصليبيين سنة 626هـ/1229م وكان موقفهم هذا ضمن الموقف الشعبي العام الذي رفض ذلك العمل ، واستشهد سبط ابن الجوزي( ) بأبيـات شعرية قيلت عندما خرب الملك المعظم عيسى القدس سنة 616هـ/1219م( )عندما علم بوصول الصليبيين، ومن هذه الأبيات:
لتبـك على القدس البلاد بأسرها وتعلـــــن بالأحزان والترحات.
على قبة المعراج والصخرة التي تفاخرت ما في الأرض من صخرات.
مــدارس آيات خلت من تلاوة ومنـزل وحي مقفر العرصات( ).
وبعد أن استعاد الملك الناصر داود القدس سنة 637هـ/ 1239م ابتهج الأهالي ومن بينهم الشعراء بهذا الفتح الجديد، وعبر عن ذلك قول ابن مطروح( ):ـ
المسجـد الأقصى له عادة( ) ســــارت فصارت مثلاً سائراً
إذا غـــدا بالكفر مستوطناً أن يبعـــــث الله له ناصراً.
فناصر طهــــره( ) أولاً ونـاصر طهره( ) أخراً( ).













الخاتمة

خلصت الدراسة إلى ما يلي :
- لم يقتصر دور العلماء في فترة الحروب الصليبية على مهمة الوعظ والإرشاد وشحذ الهمم وتقوية النفوس فحسب و إنما حملوا السلاح ، وقاتلوا حتى نالوا شرف الشهادة في سبيل الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك . وهذا راجع إلى استشعارهم وفهمهم لركن الجهاد الذي رسخه الإسلام كمفهوم أساسي وواجب على جميع المسلمين عالمهم و جاهلهم ، وهو ما دفع بالفقهاء للانضمام للجيش الإسلامي كمتطوعين ، وبذلك نرى أن الفقهاء لعبوا دوراً في المقاومة وخاصة في معركة تحرير مدينة القدس تحت قيادة البطل صلاح الدين الأيوبي .
- ومن جهة أخرى شهدت بلاد الشام فصلاً ثانياً من الدور الجهادي للفقهاء ، عندما تصدوا للمنظمات الدينية العسكرية الصليبية أمثال الداوية و الاسبتارية .
- كما كان لدور الشعراء والأدباء الأثر الأكبر في تحقيق الكثير من الانتصارات في المعارك التي خاضها المسلمين ضد الصليبيين . كما استغل الشعراء والأدباء كل فتح أو انتصار للمسلمين في حث الناس على متابعة الجهاد ومواصلة المقاومة لتحرير كافة الأراضي المحتلة .
- ونلاحظ ونستنتج مما سبق أن الأدباء والشعراء شاركوا في المقاومة الشعبية، ولأنهم هم قادة الحركة الفكرية والطبقة المثقفة في المجتمع الشامي، فإنهم قادوا المقاومة الشعبية إلى جانب الفقهاء والعلماء وعضدوا إما بعلمهم وأقلامهم وإما بأرواحهم( ).


الباحثان

الدكتور/ رياض مصطفى أحمد شاهين
الأسـتاذ المشارك في التاريـخ الإسلامـي
بالجامعة الإسلامية – غزة

الباحث / عبد الحميد جمال الفراني
وزارة التربية والتعليم
فلسطين




ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك


توقيع :

كتب سوف تنشر قريباً
1- فهرس حجج عائلة البكري من خلال سجلات محكمة القدس الشرعية في العهد العثماني
2- فهرس حجج عائلة البكري من خلال سجلات نائب الحاكم الشرعي لمدينة الخليل في العهد العثماني
3- تحرير وتدقيق وتحقيق مخطوط تحفة الصديق الى الصديق من كلام ابي بكر الصديق
4- موسوعة تراجم المؤرخين والنسابين المعاصرين
5- معجم القبائل والعشائر والاسر البكرية الصديقية
6- عائلة البكري (من اعداد المرحوم المحامي علاء الدين زكي البكري)
7- العمريون (التراجم والتأريخ)

رد مع اقتباس
إعلانات جوجل أدسنس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
عضو ماسي
رقم العضوية : 170
تاريخ التسجيل : Jan 2015
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 899
عدد النقاط : 10

سلوى خليل غير متواجد حالياً

افتراضي

كُتب : [ 06-03-2017 - 06:17 AM ]


موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .


توقيع :

سَلو قَلبي غَداةَ سَلا وَثابا
.................................. لَعَلَّ عَلى الجَمالِ لَهُ عِتابا
وَيُسأَلُ في الحَوادِثِ ذو صَوابٍ
..................................فَهَل تَرَكَ الجَمالُ لَهُ صَوابا

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مشرف
رقم العضوية : 137
تاريخ التسجيل : Jan 2015
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 2,395
عدد النقاط : 10

الباحث غير متواجد حالياً

افتراضي

كُتب : [ 12-19-2018 - 02:58 PM ]


شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



إعلانات جوجل أدسنس

Loading...


Designed by