القدس في رحلة ابن بطوطة: سمات وتساؤلات - منتدى الأنساب
  التسجيل   التعليمات   قائمة الأعضاء   التقويم   البحث   مشاركات اليوم   اجعل كافة الأقسام مقروءة
أدعية
 
التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
أحمد أبوالوفاء الشرقاوي البكري الصديقي
بقلم : إبراهيم جماني الأساوي البكري



بحث جوجل

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
عضو ماسي
خضر العباسي غير متواجد حالياً
 
رقم العضوية : 172
تاريخ التسجيل : Jan 2015
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 590
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
افتراضي القدس في رحلة ابن بطوطة: سمات وتساؤلات

كُتب : [ 05-16-2017 - 05:09 AM ]


إعلانات جوجل أدسنس

القدس في رحلة ابن بطوطة: سمات وتساؤلات
د.غسان إسماعيل عبد الخالق











ابن بطوطة
ولد ابو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن ابراهيم اللواتي الطنجي المشهور بابن بطوطة سنة 703هـ في مدينة طنجة، متحدّراً من أسرة ذات علم وجاه . وقد حاز قسطاً طيباً من العلم والأدب قبل أن ينهد لأداء فريضة الحج وهو في الثانية والعشرين. انطلق ابن بطوطة في رحلته الأولى عام 725هـ،فعبر تونس ومنها ركب البحر إلى مصر، ثم اتجه إلى بلاد الشام فتجول في فلسطين والأردن وسوريا، ثم عاد إلى الجزيرة العربية فزار المدينة المنورة ومكة المكرمة، ثم قصد العراق وفارس فاليمن فعمان وشرق افريقيا فآسيا الصغرى فالقسطنطينية فآسيا الوسطى والهند والصين ثم عاد إلى فاس في المغرب سنة 750هـ، فاستقبله السلطان أبو عنان المريني استقبالا حافلا. ثم انطلق في رحلته الثانية ميمماً شطر الأندلس وتجول في مدنها، ثم آب إلى مدينة فاس ليستأنف رحلته الثالثة سنة 754هـ باتجاه السودان وافريقية الوسطى، ثم قفل راجعا إلى فاس حيث أقام فيها مكرّما هانئ البال حتى توفي عام 779هـ(1).
لقد أحاطت علامات الاستفهام برحلة ابن بطوطة منذ أن ختم رحلته الأولى ووصل فاس ثم راح يحدّث السلطان أبا عنان المريني بما رأى وسمع من غرائب وعجائب وخاصة في بلاد الهند والصين. وقد وثَّق لنا ابن خلدون في نص نادر أول أصداء رحلة ابن بطوطة فقال: (ورد بالمغرب لعهد السلطان أبي عنان من ملوك بني مرين رجل من مشيخة طنجة يعرف بابن بطوطة، كان رحل منذ عشرين سنة قبلها إلى المشرق وتقلَّب في بلاد العراق واليمن والهند، ودخل مدينة دهلي حاضرة ملك الهند، وهو السلطان محمد شاه واتصل بملكها لذلك العهد وهو فيروز جوه، ثم انقلب إلى المغرب واتصل بالسلطان أبي عنان، وكان يحدث عن شأن رحلته وما رأى من العجائب بممالك الأرض. وأكثر ما كان يحدّث عن دولة صاحب الهند، ويأتي من أحواله بما يستغربه السامعون، مثل أن ملك الهند إذا خرج إلى السفر أحصى أهل مدينته من الرجال والنساء والولدان، وفرض لهم رزق ستة أشهر تدفع لهم من عطائه، وإنه عند رجوعه من سفره يدخل في يوم مشهود يبرز فيه الناس كافة إلى صحراء البلد ويطوفون به، وينصب أمامه في ذلك الحفل المنجنيقات على الظهر ترمى بها شطائر الدراهم والدنانير على الناس، إلى أن يدخل إيوانه وأمثال هذه الحكايات، فتناجى الناس بتكذيبه) (2).
ويبدو أن شغفه بذكر الكرامات والأولياء والدراويش أدى إلى عكس ما أراد إذ جعله هذا الشغف على حد تعبير بعض الباحثين أكثر قربا إلى المعتقدات الشعبية(3)، بل إن الحضارة العربية تبدو في صفحاته قليلة الحركة والنشاط والتوثب (4)، مع أنه قصد – على الأرجح – إلى متابعة ذلك التقليد الأندلسي المغاربي المتمثل في الارتحال إلى الشرق والالتقاء بعلمائه وفقهائه وتوثيق ذلك كله ليكون في متناول جيل جديد من الرحالة وطلاب العلم. إلاّ أن الأمر قد اختلط على ابن بطوطة فساوى بين المشايخ والعلماء وعذره في ذلك – كما أرى- يتمثل في أنه ينتمي إلى عصر بلغت فيه الطرق الصوفية في الأندلس والمغرب والمشرق العربي أوجها، بعد أن كان المشرق العربي (يمثل مجمعا علميا مهما توافد عليه العلماء لتحقيق الأهداف الدينية والعلمية والاستكشافية، ثم كانوا يرجعون إلى بلدهم لتدريس العلوم والمعارف التي حصَّلوها، فقد كانت الحواضر العلمية في المشرق مثل الإسكندرية، والقاهرة وبيت المقدس ، والخليل ودمشق، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، محطات علم ومعرفة وفد عليها علماء الأندلس والمغرب لتمتين معارفهم وتتويج خبراتهم) (5). ومن الضرورة بمكان الإشارة إلى أن متابعة هذا التقليد الأندلسي المغاربي قد انصرفت بوجه خاص إلى زيارة مكة المكرمة ثم المدينة المنورة ثم القدس التي مثَّلت زيارتها شرطاً رئيساً لحيازة المعارف التي كان المشرق يحفل بها،و التي غدت منذ رحلة أبي بكر العربي (ت 543 هـ) (موئلا للعلماء والمفكرين والفلاسفة المسلمين واليهود والنصارى) (6).




رحلة ابن بطوطة
تتسم رحلة ابن بطوطة رغم كل ما أحاط بها من علامات استفهام(7) ، بالعديد من السمات التي تجعل منها رحلة فريدة واشكالية في آن. فهي نتاج دافع ذاتي بحت وليست نتاج تكليف رسمي. وهي خاتمة الرحلات العربية الإسلامية قبل أن يستولي العثمانيون على الوطن العربي ويسدل الستار على عصر طويل ممتد حافل. وهي تمثل جماع ثلاث رحلات امتدت قريبا من ثلاثين عاماً، أي أنها الرحلة الأطول في تاريخ أدب الرحلات عند العرب.
وعلى الرغم من أن محمد بن جزّي كاتب السلطان أبي عنان المريني هو الصائغ الحقيقي للرحلة(7)، إلا أن ما اشتملت عليه الرحلة من مشاهدات وملاحظات تمثل النظرة الأخيرة للرحالة المسلمين الذين اضطلعت دواعي طلب العلم وأداء فريضة الحج وميسّرات السفر والإقامة(8)، بإكسابهم هوية كونية إسلامية ترى في العالم كلّه موطناً لها وترى كل بقعة منه مقصداً يهون الغالي والنفيس في سبيل الوصول إليه.
كما ترتدي صورة القدس وعلماؤها في رحلة ابن بطوطة أهمية كبرى لأنهما تعكسان الوضع النهائي الذي استقرت عليه المدينة المقدسة بعد أن وضعت الحروب الصليبية أوزارها، وقبل أن يشمل العثمانيون الوطن العربي بسلطانهم. وإذا أخذنا بعين الاعتبار الشديد أن رحلة ابن جبير الذي يتقدم على ابن بطوطة من حيث المولد ب165 سنة قد خلت من وصف القدس لانها كانت ترزخ تحت نير الصليبين... وأن ابن جبير قد عاد خصيصا لزيارتها بعد أن بلغه خبر تطهيرها من الصليبيين على يد صلاح الدين الأيوبي(9)، أدركنا مدى الأهمية التي نعلقها على هذه الصورة.
على أن تدقيقنا فيما اشتملت عليه رحلة ابن بطوطة من وصف للقدس ولعلمائها يمكن أن يصيبنا بالاحباط الشديد جرّاء جمود الصورة التي يرسمها لهذا المدينة المقدسة ولعلمائها على غير عادته، إلى الحد الذي نحس معه بأن ذلك التدفق الشديد في المشاهدات والملاحظات الذي اتسمت به رحلته قبل الوصول إلى القدس وبعد الارتحال عنها قد توقف فجأة على أبوابها وبين يدي علمائها. فالرحالة الذي لم يترك بلدا نزل بها إلا وتحدث عن أهلها وسلطانها وعلمائها وقضاتها حتى تحولت رحلته إلى معرض كبير لحياة الأمم والأقاليم التي نزل بها من الوجهتين السياسية والاجتماعية(10)، والرحالة الذي وصف المدن باعتبار من يقطنها من الناس لأنهم كان موضع اهتمامه ولانه كان يستمتع بذكر الشخصيات العلمية والدينية التي التقاها(11)، يبدو في معرض وصفه القدس وعلماءها متحفظا حتى ليمكن القول بأن وصفه (ديكوري وثابت) وليس (دينامكيا متحركا)، إذا أن ثمة بنية للصورة الوصفية التي يكون فيها الرحالة طرفا غير مشارك ولكنه ليس محايداً(12). فهل يعود تحفظ ابن بطوطة إلى استشعاره الشديد لجلال المدينة المقدسة؟ أم أن الحظ لم يحالفه كي يلتقي علماءها مباشرة؟ أم أنه لم يظفر بمن يستضيفه وينزله عنده؟!
يمثل وصف ابن بطوطة لبيت المقدس حلقة في سلسلة متصلة من كلامه على مدن فلسطين.حيث تبدأ هذه السلسلة بغزة ثم الخليل ثم بيت لحم فالقدس فعسقلان فالرملة فنابلس فعكا فطبريا. أما غزة فهي على ما يؤكد ابن بطوطة بوابة بلاد الشام من جهة مصر، مساحتها واسعة، وعماراتها وافرة، وأسواقها مزدهرة ومساجدها عديدة(13). وأما الخليل فهي صغيرة المساحة، كبيرة القدر، حسنة المنظر، تقع في بطن واد ومسجدها الابراهيمي أنيق محكم بديع ومرتفع منحوت بالصخر(14). وأما عسقلان التي وصلها ابن بطوطة وهي رسوم طامسة وأطلال دارسة، فيستدرك بأنها حازت قبل ذلك من المحاسن ما لم يحزه إلا قليل من المدن من حيث الجمع بين مرافق البر والبحر، فضلا عن أنها كانت تحتضن رأس الحسين بن علي عليهما السلام قبل أن ينقله الفاطميون إلى القاهرة(15). وأما الرملة فهي مدينة كبيرة مزدهرة وافرة الخيرات والأسواق، وبها الجامع الأبيض الذي يقال أن ثلاثمائة من الأنبياء قد دفنوا في قبلته(16). وأما نابلس فهي مدينة عظيمة وافرة الخضرة والماء والزيتون والزيت والحلواء(17). وأما عكا فقد زارها ابن بطوطة وهي خراب بعد أن كانت قاعدة الافرنج ومرساهم حتى شبِّهت بالقسطنطينية(18). وأما طبرية التي يقول بأنها كانت فيما مضى مدينة كبيرة ضخمة فلم يبق منها إلا رسوم تنبيء عن ضخامتها وعظم شأنها.
صفة بيت المقدس
ما أن يصل ابن بطوطة بيت المقدس الذي شرفه الله بأنه (ثالث المسجدين الشريفين في رتبة الفضل، ومصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما ومعرجه إلى السلام) حتى يلاحظ أن البلدة كبيرة مشرفة منحوتة في الصخر. ثم ينوه بأن صلاح الدين الأيوبي كان قد بادر إلى هدم جزء من سورها بعد أن فتحها، ثم خشى الملك الظاهر أن يعاود الفرنجة الكرة فيستولون عليها ويتمنعون بها، فأمر بهدم السور كله. ولما كانت القدس تفتقر إلى الأنهار فقد بادر سيف الدين تنكيز أمير دمشق بجلب الماء لها(20).
صفة المسجد الأقصى
يؤكد ابن بطوطة أن المسجد الأقصى فائق الحسن بالغ الاتساع، حد انه يردد قول من قال (بإنه ليس على وجه الأرض مسجد أكبر منه) (21). ولا يلبث أن يقدم لنا وصفا توثيقيا للمسجد الشريف فيقطع بأن طول المسجد من الشرق إلى الغرب هو سبعمائة واثنتان وخمسون ذراعا وأن عرضه من جهة القبلة إلى وسطه هو أربعمائة وخمس وثلاثون ذراعا. أما أبوابه فهي كثيرة من الجهات الثلاث خلا الجهة القبلية ففيها باب واحد مخصص لدخول الإمام(22). كما يلاحظ ابن بطوطة أن ساحة المسجد الأقصى غير مسقوفة خلافا للمسجد الذي سقف (في النهاية من إحكام العمل واتقان الصنعة،وهو مموه بالذهب والأصبغة الرائقة) (23).
صفة قبة الصخرة
بدت قبة الصخرة في عيني ابن بطوطة عجيبة متقنة وافرة الحظ من الحسن. وقد قامت على مرتفع وسط ساحة المسجد الأقصى ويرتقى إليها بدرج رخامي. أما أبوابها فعددها أربعة أبواب وما حولها مبلّط برخام متقن وكذلك داخلها. وقد أخذت زخارفها الداخلية والخارجية المذهبة بمجامع قلب ابن بطوطة إذ هي فضلا عن الاتقان الفائق الذي يقف الوصف دونه عاجزا، تتلألأ وتلمع لمعان البرق حتى أن بصر المتأمل في محاسنها ليحار، وحتى أن لسان ناظرها يقصر عن التمثيل(24).
ويتوقف ابن بطوطة بإزاء الصخرة التي عرج منها النبي الكريم إلى السماء، والتي تتوسط القبة، فيلاحظ أنها صخرة صمّاء ترتفع بمقدار قامة رجل، كما يلاحظ أن تحتها مغارة كأنها بيت صغير ترتفع بمقدار قامة رجل أيضا ويمكن للزائر أن ينحدر إليها بواسطة درج، ويحف بالصخرة شباكان متينان بديعان أحدهما مصنوع من الحديد والثاني مصنوع من الخشب. ولا يفوت ابن بطوطة الإشارة إلى أن ثمة (درقة من حديد معلقة هنالك، والناس يزعمون أنها درقة حمزة بن عبد المطلب، رضي الله عنه) (25).
صفة كنيسة المهد وكنيسة القيامة
لا يدخر ابن بطوطة وسعا لاستكمال توثيق مشاهداته في القدس الشريف، فيلمُّ بالوادي المسمى (وادي جهنم) شرقي القدس حيث يوجد مقام في المكان الذي يعتقد بأنه كان مصعد عيسى عليه السلام إلى السماء. أما بطن الوادي فيحتضن كنيسة يعتقد بأن قبر مريم عليها السلام موجود بها، كما يحتضن كنيسة القيامة التي يعتقد بأن قبر السيد المسيح عليه السلام موجود بها (26).
صفة علماء القدس وزهادها
اختار ابن بطوطة أن يمثل لمن التقاهم أو سمع بهم من العلماء والصالحين المشهورين في القدس الشريف، بمجموعة منتقاة يقف في طليعتهم القاضي العالم شمس الدين محمد بن سالم الغزّي، والخطيب الفاضل عماد الدين النابلسي، والمحدّث المفتي شهاب الدين الطبري، والفقيه المالكي أبو عبد الله محمد بن مثبت الغرناطي. كما يقف في طليعتهم أيضا الشيخ الزاهد أبو علي حسن المعروف بالمحجوب وهو من كبار الصالحين كما يوكد ابن بطوطة، و الشيخ الصالح العابد كمال الدين المراغي، والشيخ الصالح العابد أبو عبد الرحيم عبد الرحمن بن مصطفى الرّومي تلميذ تاج الدين الرفاعي الذي أكد ابن بطوطة ملازمته له وتلقيه خرقة التصوف منه(27).
سمات وصف القدس
يمكننا أن نجمل سمات وصف ابن بطوطة لبيت المقدس ولعلمائها، في ضوء ما جاء في رحلته بوجه عام وفي ضوء ما وصف به مدن فلسطين بوجه خاص، على النحو التالي:
أولا: اتسم وصفه للمسجد الأقصى بالدقة الشديدة التي تجلّت في تحديد طوله وعرضه بالذراع. ونظرا للمكانة السامية التي يتمتع بها المسجد الأقصى وقبة الصخرة فلم يرد أن يتوسع –على الأغلب- في ايراد المعتقدات الخارجة عن الثابت والمعروف من أمر المسجدين، كما رأينا حينما زار المسجد الابراهيمي في الخليل وتوسع في ايراد ما يقال عن قيام الجن ببناء المسجد الإبراهيمي خضوعا لامر سليمان عليه السلام، وفي إيراد ما يقال عن قبور الأنبياء ابراهيم واسحق ويعقوب عليهم السلام. وقد بلغ من تحرزه أنه قيّد نسبة الدرقة الكبيرة المعلقة في مسجد قبة الصخرة إلى حمزة بن عبد المطلب بقوله (والناس يزعمون).
ثانيا: رغم أن ابن بطوطة قد اقتصر على تحديد مذهب ابي عبيد الله محمد بن مثبت الغرناطي دون غيره من العلماء، في سياق تعداده علماء القدس، إلا أن هذا التحديد يدفعنا إلى استنتاج تعدد وتنوع المذاهب الفقهية في القدس.
ثالثا: رغم أن ابن بطوطة قد اقتصر على تحديد طريقة الشيخ ابي عبد الرحيم عبد الرحمن بن مصطفى الرومي دون غيره من الصالحين،في سياق تعداده زهّاد القدس، إلا أن هذا التحديد يدفعنا إلى استنتاج تعدد وتنوع الطرق الصوفية في القدس.
رابعا: لقد أبرز اعتناء ابن بطوطة بمنابت العلماء والصالحين في القدس ، التعدد والتنوع في الأصول،و ذلك ليس بالمستغرب، لأن القدس مثّلت منذ افتتاحها على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه مقصدا لكل العلماء والزهّاد وطلبة العلم والرحالة المسلمين، بل هي مثّلث أيضا مقصدا لغير المسلمين من الحجاج والرهبان المسيحين. وفي حدود هذه المجموعة التي أورد ابن بطوطة أسماء افرادها من العلماء والصالحين نلاحظ أن الغزّي و النابلسي والطبري والغرناطي والمراغي والرومي قد تجاوروا في القدس التي جمعتهم واحتضنتهم بوصفها ثالث العواصم الروحية للمسلمين وأبرز العواصم الروحية في العالم.
خامسا: جاء وصف ابن بطوطة لمدينة القدس موجزا مختصرا، فاكتفى بأنها (بلدة كبيرة منيفة بالصخر المنحوت) ولم يتوسع في وصف مظاهر الحياة والعمران فيها كما فعل حينما وصف غزة فقال (متسعة الأقطار، كثيرة العمارة، حسنة الأسواق، بها المساجد العديدة والأسوار عليها، وكان بها مسجد جامع حسن، والمسجد الذي تقام الآن به الجمعة فيها بناه الأمير المعظم الجاولي، وهو أنيق البناء، محكم الصنعة، ومنبره من الرخام الأبيض) أو كما فعل حينما وصف الرملة فقال: (مدينة كبيرة كثيرة الخيرات، حسنة الأسواق، وبها الجامع الأبيض، ويقال: إن في قبلته ثلاثمائة من الانبياء مدفونين، عليهم السلام).
سادسا: خلا وصف ابن بطوطة لمدينة القدس من الاشارة إلى سكانها المسلمين أو المسيحين، فلم نعرف عددهم تقديرا، ولم نتصور حركتهم في الأسواق أو في المساجد. ومن المؤسف أن ابن بطوطة الذي عودنا الاحتفال بتوثيق اللوحات العامة المعبّرة لم يعن بتوثيق صلاة الجمعة في المسجد الأقصى كما لم يعن يتوثيق خطبة واحدة لخطيب القدس في حينه (الصالح الفاضل عماد الدين النابلسي).
سابعا: خلا المسرد الذي أورده لعلماء القدس وعبّادها من أية إشارة لمعرفته الشخصية بهم باستثناء أبو عبد الرحيم عبد الرحمن بن مصطفى الرومي، الذي يؤكد أنه صحبه ولبس منه خرقة التصوف. وذلك خلافا لما لحظناه من اعتنائه بتأكيد معرفته الشخصية والتقائه في مدينة الخليل ( المدرس الصالح المعمّر الامام الخطيب برهان الدين الجعبري أحد الصلحاء المرضيين والأئمة المشهورين) (28). كما خلا هذا المسرد من أية اشارة إلى النظام التعليمي الذي كان متبعا أو أي وصف لمجالس العلم أو الحلقات الصوفية.
ثامنا: لم يقتصر ابن بطوطة في وصف بيت المقدس على ذكر المقدسات الاسلامية، بل تعدّى ذلك إلى ذكر المقدسات المسيحية. وعلى الرغم من أنه ضمّن ذكره لهذه المقدسات المسيحية ما يوحي ببطلان اعتقاد المسيحين بقبر المسيح، إلا أنه لم يتردد في موضع آخر بالقول (وزرت أيضا في بيت لحم موضع ميلاد المسيح عليه السلام، وبه أثر جذع نخلة، وعليه عمارة كثيرة والنصارى يعظمونه أشد التعظيم، ويضيِّفون من نزل به) (29).
تاسعاً: من الملاحظ أن ابن بطوطة يميز تمييزاً واضحاً بين المسجد الأقصى المقصود بالتقديس والتعظيم، وبين مسجد قبة الصخرة الذي بناه الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان . ولعل العرب والمسلمين الآن في حاجة ماسة لهذا التمييز الواضح بعد أن شاعت صورة مسجد قبة الصخرة بوصفها الرمز الأول لبيت المقدس على حساب صورة المسجد الأقصى التي تتسم بالندرة.
عاشراً: مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الشديد أن ابن بطوطة لم يضطلع بكتابة رحلته، وأنه اكتفى بسرد الأحداث والمشاهدات على مسامع محمد بن جزّي كاتب السلطان أبي عنان المريني الذي صاغ الرحلة بأسلوب مشوق وبلغة رشيقة، فإن وصف ابن بطوطة لبيت المقدس قد اتسم من الناحية الأدبية والفنية بالإيجاز والحذر، فلم يستطرد ولم يطنب كعادته. كما خلا هذا الوصف من الحكايات أو القصص التي اعتاد أن يوردها في سياق وصفه لغيرها من المدن(30).
إن ذلك الجمود المفاجئ الذي ران على المنظار الوصفي لابن بطوطة بعد أن غادر الخليل ودخل بيت المقدس ، وإن ذلك التحفظ في كلامه على علماء القدس وعلى زهادها سيظلان من الأسرار الغامضة والتساؤلات العديدة التي تحيط بالرحلة كلها وتجعلها أكثر إثارة واستدعاء للمزيد من الأبحاث والدراسات.


















هوامش البحث:
1- الزركلي، الاعلام: 6/235- 236
د. شوقي الضيف، الرحلات: ص95-98
د. حسني محمود، أدب الرحلة: ص2- 31
2- ابن خلدون، المقدمة: 2/ 565
3- د. حسني محمود، أدب الرحلة عند العرب: ص 27
4- د. نقولا زيادة، الرحالة العرب: ص 125
5- د. هيثم سرحان، الأنظمة السيميائية: ص 135
6- المرجع السابق: ص 135-136
7- د. غسان عبد الخالق، ملاحظات ابن بطوطة حول الصين: ص 229
ابن بطوطة، تحفة النظار: ص 112-113
الزركلي، الأعلام: 7/37
8- د. حسين نصار، أدب الرحلات: ص4-8
9- د. شوقي ضيف، أدب الرحلات: ص 71
10- المرجع السابق
11- د. حسني محمود، أدب الرحلة عند العرب: ص30
12- د. شعيب حليفي، الرحلة في الأدب العربي: ص 298
13- ابن بطوطة، تحفة النظار: ص 54
14- المرجع السابق: ص 55
15- المرجع السابق: ص 59- 60
16- المرجع السابق: ص60
17- المرجع السابق: ص60- 61
18- المرجع السابق: ص61
19- المرجع السابق: ص62
20- المرجع السابق: ص57
21- المرجع السابق: ص57
22- المرجع السابق: ص57
23- المرجع السابق: ص58
24- المرجع السابق: ص58
25- المرجع السابق: ص58
26- المرجع السابق: ص59
27- المرجع السابق: ص59
28- المرجع السابق: ص55
29- المرجع السابق: ص57
30- د. حسين نصار، أدب الرحلات: ص 131
د.شوقي ضيف، الرحلات: ص6







مراجع البحث:
1- ابن بطوطة، تحفة النّظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، المشهورة ب(رحلة ابن بطوطة)، دار صادر، بيروت، د.ت
2- د.حسني محمود، أدب الرحلة عند العرب: رحلات أمين الريحاني نموذجا،الوكالة العربية للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 1995.
3- د. حسين فهيم، أدب الرحلات، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ط1، 1989
4- د. حسين نصار، أدب الرحلة، مكتبة لبنان، بيروت، ط1، 1991
5- ابن خلدون، المقدمة، تحقيق: د.علي عبد الواحد وافي، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة، ط3، د.ت
6- الزركلي، الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، ط6، 1984
7- د. شعيب حليفي، الرحلة في الأدب العربي، دار رؤية، القاهرة، ط1، 1995.
8- د. شوقي ضيف، الرحلات، دار المعارف، القاهرة، ط4 د.ت.
9- د. غسان عبد الخالق، (ملاحظات ابن بطوطة حول الصين)، بحث منشور ضمن أعمال مؤتمر العلاقات العربية الأسيوية، تحرير: د.سامي خصاونة، الجامعة الأردنية، عمان، ط1، 2003.
10- د. هيثم سرحان، الأنظمة السيميائية: دراسة في السرد العربي القديم، دار الكتاب الجديد، بيروت، ط1، 2008.

ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك


توقيع :

نبيٌ أتانا بعدَ يـــأسٍ وفتــرةٍ***من الرسْل والأوثانُ في الأرض تُعبَد

فأمسى سراجاً مستنيراً وهادياً*****يلوح كما لاح الصقيل المهنّـــدُ

رد مع اقتباس
إعلانات جوجل أدسنس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
عضو ماسي
رقم العضوية : 170
تاريخ التسجيل : Jan 2015
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 906
عدد النقاط : 10

سلوى خليل غير متواجد حالياً

افتراضي

كُتب : [ 05-16-2017 - 08:56 AM ]


شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .


توقيع :

سَلو قَلبي غَداةَ سَلا وَثابا
.................................. لَعَلَّ عَلى الجَمالِ لَهُ عِتابا
وَيُسأَلُ في الحَوادِثِ ذو صَوابٍ
..................................فَهَل تَرَكَ الجَمالُ لَهُ صَوابا

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
عضو ماسي
رقم العضوية : 202
تاريخ التسجيل : Feb 2015
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 484
عدد النقاط : 10

زهرة المدائن غير متواجد حالياً

افتراضي

كُتب : [ 06-06-2017 - 04:54 AM ]


موضوع شيق
شكراً لك


توقيع :

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
عضو ماسي
رقم العضوية : 110
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 496
عدد النقاط : 10

أنـــــوار غير متواجد حالياً

افتراضي

كُتب : [ 02-03-2018 - 04:35 AM ]


موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
عضو ماسي
رقم العضوية : 390
تاريخ التسجيل : May 2015
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 548
عدد النقاط : 10

هيفاء غير متواجد حالياً

افتراضي

كُتب : [ 11-18-2018 - 08:37 AM ]


شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 6 )
مشرف
رقم العضوية : 137
تاريخ التسجيل : Jan 2015
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 2,460
عدد النقاط : 10

الباحث غير متواجد حالياً

افتراضي

كُتب : [ 12-19-2018 - 02:14 PM ]


شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



إعلانات جوجل أدسنس

Loading...


Designed by